﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] .
فجاء بأسْلوب: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ﴾ بصيغة الفعل المضارع، للدلالة على تكرار الاستئذان من أفراد هذا الفريق، أو على الإِلحاح به، ولم يأتِ على النَّسَق السابق من استعمال كلمة ﴿إذْ﴾ قبله، لأنَّ حالتهم هذه كانت مستمرّة لا تستدعي التذكير بزمن حدوثها.
واعتنى القرآن المجيد بتربيةِ هذا الفريق المستأذن، وببيان حالته النفسيّة وإقناعه، لتصحيح العناصر المختلّة لدَيْه من عناصر القاعدة الإِيمانيّة.
* وأمّا القسم الرّابع ممّا كان منهُمْ، وهو التعويقُ والتثبيط عن الخروج مع الرسول ﷺ لمواجهة عدوّه، فقَدْ جاء أسلوب عرضه كما يلي:
﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] .
فاختلف الأسلوبُ هنا اختلافًا كلّيًّا، إذْ نُلاحظُ أنَّ التعويقَ قد عرضه الله ﷿ وصْفًا ثابتًا لفريقٍ من المنافقين، ولم يَذْكُرْهُ عَلى أنَّه مُجَرّد عَرَضٍ طارئ استدعَتْهُ حالَةٌ مُزْعِجَة، وهو الأَمْر الذي كان في غزوة الأحزاب، فحصل فَهْمُ قِسْمِ التَّعْويقِ والتثبيط من ذِكْرِ المعوّقين.
وقَبْلَ ذِكْر المعوّقينَ بيَّنَ اللَّهُ ﷿ تَحَقُّقَ عِلْمِه بهم، لِيُشيرَ هذا البيان من طَرْفٍ خفِيٍّ إشارةَ تَهْدِيدٍ لهم، بأنَّهُمْ مَكْشُوفُونَ مَعْلومُونَ لله، وبأن عقاب الله يَتَرصَّدُهُمْ.
فمع التنويع في الأسلوب لإِكساب التعبير جمالًا فنيًّا، وإبداعًا مُعْجِبًا، اخْتِير لِعَرْض كلِّ قسم الأُسلوبُ الأكْثَرُ ملاءمةً له، والأَكْثَرُ مضامِينَ فكريَّةً يُرادُ الدّلاَلَةُ عليها مع ذكره، كإضافة أنّ المعوّقين معلومون لله ﷿، وأنَّ تَعْوِيقَهُم لإِخوانهم صِفَةٌ ثابتَةٌ من صفاتهم، ومُلازِمَةٌ لهم في كلّ الأحوال، فهم معوّقّون