648

وحي القلم

وحي القلم

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى ١٤٢١هـ

سال انتشار

٢٠٠٠م

مناطق
مصر
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد. أفهمت؟
وما دمنا قد وصفنا رحمة المال، فإنا نتم الكلام فيها بهذا الحديث العجيب في فن تمثيله وبلاغة فنه: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثديهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع". انتهى.
فأنت ترى ظاهر الحديث، ولكن فنه العجيب في هذا الحديد الذي يراد به طبيعة الخير والرحمة في الإنسان، فهي من أشد الطبائع جمودًا وصلابة واستعصاء متى اعترضتها حظوظ النفس الحريصة وأهواءها، ومع ذلك فإن السخاء بالمال يبسط منها وينتهي في الطبع إلى أن يجعلها لينة، فلا تزال تمتد وتسبغ حتى يكون والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد ومعاناة القوة في الصراع ونحوه؛ أما الشيخ فلا يناقض تلك الطبيعة ولكنه يدعها جامدة مستعصية لا تلين ولا تستجيب ولا تتيسر.
وقد جعل الجبة من الثدي إلى التراقي، وهذا من أبدع ما في الحديث؛ لأن كل إنسان فهو منفق على ضروراته، يستوي في ذلك الكريم والبخيل، فهما على قدر سواء من هذه الناحية؛ وإنما التفاوت فيما زاد وسبغ من وراء هذا الحد، فههنا يبسط الكريم بسطه الإنساني، أما البخيل فهو "يريد"؛ لأنه إنسان، والإرادة علم عقلي لا أكثر، فإذا هو حاول تحقيق هذه الإرادة وقع من طبيعة نفسه الكزة فيما يعانيه من يوسع جبة من الحديد لزقت كل حلقة من حلقاتها في مكانها، فهي، مستعصية متماسكة، فهو يوسعها فلا تتسع.
ألا ترى كيف تتوجه الحجة، وكيف تدق الفلسفة وهي في أظهر البيان وأوضحه؟ وهل تحسب طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت -بالغة من وصف نفسها هذا المبلغ من جمال الفن وإبداعه؟ وهو بعد وصف لو نقل إلى كل لغات الأرض لزانها جميعًا، ولكان في جميعها كالإنسان نفسه: لا يختلف تركيبه فلن يكون بثلاثة أعين، لا في بلاد شكسبير ولا في بلاد الزنوج.
إن كلام نبينا ﷺ يجب أن يترجم بفلسفة عصرنا وآدابه، فستراه حينئذ كأنما قيل مرة أخرى من فم النبوة، وستراه في شرحه الفلسفي كالأزهار الناضرة: حياتها

3 / 11