تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ورجع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } "
، وأصل الرين الغلبة؛ يعني: غلبت عليهم شقوتهم لغلبة الظلمة على لوح وجودهم مما كسبت أيديهم وكتبت على اللوح بخط أعمالهم حتى اسود اللوح من المعاصي، ومات القلب لفوات استعداد قابلية الرحمة من الحق. { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [المطففين: 15]؛ يعني: القوى الفاجرة، والألواح المسودة بنقوش المعاصي عن رحمة ربهم ولقائه محجوبون بالحجاب الذي كسبوا في دار الكسب { ثم إنهم لصالوا الجحيم } [المطففين: 16] الذي كسبوها وعملوها عملا وعمروها وبالغوا في تعميق قربها وإشعال نارها { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } [المطففين: 17]، يقال لهم: القوى الملهمة التي تلهم القوى الأمارة بالخير وهي تكذبها، وتقول: كيف نترك لذتها العاجلة التي تشاهدها لقولك ووعدك لنا بدار لا نشاهدها، فقوله لهم في ذلك اليوم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } [المطففين: 17]؛ يعني: هذه الدار التي بها تكذبون في الدنيا، وهذا جزاء أعمالكم التي كنتم عاملين لها في دار كسبكم، { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } [المطففين: 18]؛ أي: حقا أن محل كتاب الأبرار لفي عليين؛ أي: لفي مرتبة الملائكة التي يصلون إليها في الملكوت الأعلى ويضعون فيها كتاب الأبرار وليس فوقها لهم سبيل؛ لأن ذلك المقام أعلى عليين الروحانية ولا يمكن التجاوز لأحد من ذلك المقام إلا بالجذبة، { ومآ أدراك ما عليون } [المطففين: 19] عليون محل كتاب الأبرار؛ وهو { كتاب مرقوم * يشهده المقربون } [المطففين: 20-21] من أعلى عليين ويفرحون بذلك الكتاب.
{ إن الأبرار لفي نعيم } [المطففين: 22] الذين كسبوا في دار الكسب بالقوة القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، حتى رقم في وجودهم عين ذلك النعيم، { على الأرآئك ينظرون } [المطففين: 23] على أريكة الرحمة ينظرون إلى جزاء أعمالهم وإلى نقوش ألواحهم، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } [المطففين: 24]؛ لأن وجوههم كانت مبصرة من نور كسبوه في دار الكسب { يسقون من رحيق } المحبة { مختوم } [المطففين: 25].
[83.26-36]
{ ختامه مسك } [المطففين: 26]؛ يعني: مختوم بطين خمره بيده وقت التخمير، وتكون طينته من عرف المعرفة مسكا وفي المسك والكافور الذي يذكرهما الله تعالى في كتابه تعلق بحد القرآن.
{ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } [المطففين: 26]؛ يعني: من الاطلاع على سر الرحيق الحبي، والطيني المسكي، والأرض الكافورية فليرغب الراغبون من أخص الخواص من السابقين ويضن على إفشاء سره لنفاسته وعلو مثاله، فتحل الفتنة { ومزاجه من تسنيم } [المطففين: 27]؛ يعني: مزج الحب بالطين وبعبارة أخرى؛ يعني: مزجوا رحيقهم بسنيم الريق؛ أي: ريق الساقي وهذا مخصوص بالمقربين من الأنبياء والصديقين، { عينا يشرب بها المقربون } [المطففين: 28]؛ وهي عين المعاينة تنبع من وجه المشايخ، يشرب بها المقربون خاصة وهي مما قال الله تعالى:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين
[السجدة: 17]، { إن الذين أجرموا } [المطففين: 29]؛ يعني: القوى المجرمة { كانوا من الذين آمنوا يضحكون } [المطففين: 29] في دار الدنيا، ويقولون: هؤلاء مساكين تركوا هذا النعيم المعين النقد لخيالاتهم الفاسدة ويتبعون أنفسهم ويستهزءون بعقولهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } [المطففين: 30]؛ يعني: يشير بعضهم إلى بعض استهزاء بهم وبما كانوا مشتغلين بالعبادة والمجاهدة وترك المشتهيات النفسية والهووتية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } [المطففين: 31]؛ أي: إلى قوى قالبهم ونفسهم { انقلبوا فكهين } [المطففين: 31]؛ أي متعجبين من أحوالهم، ضاحكين من أفعالهم، { وإذا رأوهم } [المطففين: 32]؛ أي: إذا رأوا القوى اللطيفة { قالوا إن هؤلاء لضالون } [المطففين: 32]؛ يعني: ضلوا الطريق الواضح واللذة العاجلة، ويتبعون النفس بخيال: أن لهم بعد هذه الدار دار ينعمون فيها أبد الدهر، { ومآ أرسلوا } [المطففين: 33]؛ يعني: القوى المجرمة { عليهم } [المطففين: 33]؛ أي: على القوى المطيعة { حافظين } [المطففين: 33] لأعمالهم وأحوالهم ولكنهم أرادوا أن يستوفوا القوى المطيعة لأهوائهم، فلما عصت القوى المطيعة لأمرهم وطاوعت أمر ربهم حسدوا عليهم وضحكوا منهم وآذوهم.
{ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } [المطففين: 34]؛ يعني: يوم خروجهم من الدنيا ودخولهم في دار الآخرة يضحكون من الكفار بتجهيزهم في النار، وبخسرهم على أنفسهم فيما أضاعوا الاستعداد الذي به يمكن حصول النعيم المقيم، والمؤمنون { على الأرآئك ينظرون } [المطففين: 35] إلى الكفار بعين العبرة { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } [المطففين: 36]؛ يعني : هل جزاء استهزائهم بالمؤمنين إلا هزاء، فعليك يا سالك الطريقة أن تستهزئ بالقوى المجرمة، وشاهد نعمك لتعمل بالنعيم المقيم عملا صالحا؛ ليكون غدا من المقربين الشاربين رحيق المحبة الممزوجة بنسيم ريق الساقي إن شاء الله تعالى.
اللهم اسقني من كأس محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا أظمأ بعدها أبدا.
صفحه نامشخص