تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الفجر: 28] وبولاية المحبة لأخص الخواص في الحياة الدنيا يفتح عليهم أبواب المشاهدات والمكاشفات، وفي الآخرة يجعلهم من أهل القربات والمعاينات، { ولكم فيها } [فصلت: 31] في الآخرة { ما تشتهي أنفسكم } [فصلت: 31] من نعيم الجنة بحسب علو همتكم فيها، { ولكم فيها ما تدعون } [فصلت: 31] بدواعي القلوب والأرواح، من الوصول والوصال بحسب صدق الطلب، وحسن السؤال من حضرة الجلال ذي الفضل والأفضال، والكرم والنوال، { نزلا } [فصلت: 32] فضلا وعطاء، وتقدمه لما يستديم إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف { من غفور رحيم } [فصلت: 32] يبدل السيئات بالحسنات، ويزيد لأهل الطاعات في الدرجات والقربات.
ثم أخبر عن أحسن الأقوال لأرباب الأحوال بقوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله } [فصلت: 33] يشير إلى أن أحسن قول قاله الأنبياء والأولياء قولهم: بدعوة الخلق إلى الله، وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان مخصوصا بهذه الدعوة قال تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه
[الأحزاب: 45-46] وهو أن يكتفي بالله في الله لا يطلب منه غيره، قال: { وعمل صالحا } [فصلت: 33] أي: كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه؛ يعني: سلكوا طريق الله إلى أن يصلوا إلى الله وصولا بلا اتصال ولا انفصال، فبسلوكهم ومنازلتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا بعد ما عرفوا الطريق إليه الخلق إلى الله، { وقال إنني من المسلمين } [فصلت: 33] لحكمة الراضين بقضائه وتقديره { ولا تستوي الحسنة } [فصلت: 34]؛ وهي التوجه إلى الله بصدق الطلب وخلوص المحبة، { ولا السيئة } [فصلت: 34]؛ وهي طلب ما سواه منه والرضاء عنه بما دونه، ولهذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وبقوله: { ادفع بالتي هي أحسن } [فصلت : 34] يشير إلى دفع طلب ما سوى الله بطلب الله فإنه أحسن مما سواه، فإذا فعلت ذلك وتقربت إلى الله بطلبه والله يتقرب إليك بتجلي صفاته لك { فإذا الذي بينك وبينه عداوة } [فصلت: 34]؛ يعني: النفس الأمارة بالسوء { كأنه ولي حميم } [فصلت: 34]؛ لتزكيتها عن صفاتها الذميمة بإفاضة أنوار التجلي عليها، وهذا هو الإكسير الأعظم بأن صار العدو صديقا والبعيد قريبا، { وما يلقاها إلا الذين صبروا } [فصلت: 35] لا يقوم باستفادة هذه الأحوال إلا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقى عن سفاسف الشيم الإنسانية إلى معالي الأخلاق الربانية، { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } [فصلت: 35] من فناء نفسه والبقاء بربه.
[41.36-40]
وبقوله: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله } [فصلت: 36] يشير إلى أن النبي والولي لا ينبغي أن يكون أمنا من مكر الله، وإن الشيطان صورة مكر الحق تعالى يكون على حذر من نزغاته مستعيذا بالله من همزاته، فلا يذرها أن تصل إلى القلب بل يرجع إلى الله في أول الخطرة، فإنه إن لم يخالف أول الخطرة صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو إليه الشيطان، ثم إن لم يتدارك ذلك تجري الذلة، فإن لم يتدارك بحسن الرجعة صار قسوة ويتمادى به الوقت فهو يخطر كل آفة، ولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة بالله والإخلاص في العبودية، قال الله تعالى:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
[الحجر: 42] فكلما زاد العبد في تبريه من حوله وقوته، وأخلص بين يدي الله تضرعه واستعانته، زاد الله في حفظه ورفع الشيطان عنه؛ بل يسلطه عليه ليسلم على يديه، { إنه هو السميع } [فصلت: 36] لدعائك { العليم } [فصلت: 36] بقضاء حوائجكم.
ثم أخبر عن آياته وتكرماته بقوله تعالى: { ومن آياته اليل والنهار } [فصلت: 37] يشير إلى ليل البشرية ونهار الروحانية، { والشمس والقمر } [فصلت: 37] إذا تجلت شمس الروح وقمر القلب { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } [فصلت: 37]؛ أي: لا تتخذوا ما كشف لكم عند تجلي شمس الروح من المعقولات، وأنواع العلوم الدقيقة مقصدا ومعبدا كما اتخذت الفلاسفة، { ولا للقمر } [فصلت: 37]؛ أي : لا تتخذوا أيضا ما شاهدتم عند تجلي شواهد الحق في قمر القلب من المشاهدات، ومكاشفات العلوم الدينية مقصدا ومعبدا كما اتخذ بعض أرباب السلوك، ووقفوا عند عقبات العرفان والكرامات، فشغلوا بالمعرفة عن المعروف، وبالكرامة عن المكرم { واسجدوا لله الذي خلقهن } [فصلت: 37]؛ أي: اتخذوا المقصود والمعبود حضرة حضرت جلال الله، الذي خلق ما سواه منازل السائرين به إليه { إن كنتم } [فصلت: 37] من جملة المحبين الصادقين الذين { إياه تعبدون } [فصلت: 37] طمعا بوصاله والوصول إليه، لا من الذين يعبدونه خوفا من النار وطمعا إلى الجنة، { فإن استكبروا } [فصلت: 38] أهل الأهواء والبدع، ولا يوفقون للسجود بجميع الوجود لله، { فالذين عند ربك } [فصلت: 38] من أرواح الأنبياء والأولياء { يسبحون له باليل والنهار } [فصلت: 38] ينزهونه عن احتياج سجدة أحد من العالمين على أنه
صفحه نامشخص