تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا } [ص: 3] عند هجوم البلاء، { ولات حين مناص } [ص: 3] إذ فات وقت الإشكاء، { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } [ص: 4] ولم يعجبوا أن يكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة، فلما تحيروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } [ص: 4]، والإشارة في هذا أنهم لما كان منحرف مزاج القلوب بمرض نسيان الحق، جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحرا، والصديق كذابا، ومن حول نظرهم رأوا الإله الواحد آلهة، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } [ص: 5] ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة، { إن هذا لشيء عجاب } [ص: 5]، لم تباشر خلاصة التوحيد قلبهم، وتعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا الله ولا معنى الإلهية، فإن الإلهية؛ هي القدرة على الاختراع، وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجوده المانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كمالي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر جر تنويه بسقوطه مطوع باطل بقوله: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم } [ص: 6]، يشير إلى: إن الكفار إذا تواصلوا فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم، بل الطالب الصادق، والعاشق الوامق أولى بالصبر والثبات على قدم الصدق في طلب المعبود المحبوب المعشوق، { إن هذا لشيء يراد } [ص: 6] في الأزل في المقبول والمردود.
وبقوله: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق } [ص: 7]، يشير إلى أن ركون الجهال إلى البشرية والعادة وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا إلى التقليد والهوادة، وبقوله: { أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري } [ص: 8]، يشير إلى أن القرآن قديم؛ لأنه سماه الذكر، ثم أضافه إلى نفسه تعالى بقوله: { من ذكري } [ص: 8]، ولا خفاء بأن ذكره قديم؛ لأن الذكر المحدث يكون مسبوقا بالنسيان، وهو منزه عن النسيان، وبقوله: { بل لما يذوقوا عذاب } [ص: 8]، فيشير إلى أنهم مستغرقون في عذاب الطرد والبعد ونار القطيعة، ولكنهم عن ذوق العذاب بمعزل؛ لغلبة الحواس إلى أن يكون
يوم تبلى السرآئر
[الطارق: 9]، فيغلب السرائر على الصور، والبصائر على البصر، فيقال لهم:
فذوقوا العذاب
[الأحقاف: 34]؛ يعني: كنتم معذبين، وما كنتم ذائقي العذاب؛ فالمعنى: إنهم لو ذاقوا عذابي ووجدوا ألما لما قدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، وفيه إشارة إلى حال أكثر علماء زماننا وعبادهم أنهم إذا رأوا عالما ربانيا من أرباب الحقائق يخبر عن حقائق لم يفهموها، ويشير إلى دقائق لم يذوقوها، دعتهم النفوس المتمردة إلى تكذيبه، ويقولون: أكوشف هو بهذه الحقائق من بيننا، ويقعون في الشك من أمرهم، لو استبصروا في دينهم لما جحدوهم، واغتنموا أنفاسهم، واقتبسوا من أنوارهم.
[38.9-17]
ثم أخبر عن جهالة الكفار وضلالتهم بقوله تعالى: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب } [ص: 9]، يشير إلى أنه هو العزيز الذي له خزائن الرحمة، ومن دونه فهو ذليل له لاحتياجه إليه، وهو الوهاب الذي يهب لمن يشاء ما يشاء، وفيه آل هؤلاء الكفار الذين عارضوا ونازعوا وكابروا واجتمعوا عندهم شيء من هذه الأشياء، فيفعلوا ما أرادوا، أو يعطوا ما شاءوا، ويرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحي على من أرادوا، ويهلكوا من أرادوا.
{ أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب } [ص: 10]؛ بل الله يصطفي من يشاء، ويؤتي من يشاء لعزته، وهم { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } [ص: 11]، كلهم عجزة لا يقدرون على ذلك مهزومون، شبههم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين؛ أي: إن هؤلاء الكفار ليس معهم حجة سؤالهم قوة، ولا لأصنامهم أيضا من النفع والضر مكنة، ولا في الدفع والرد عن أنفسهم قوة، وبقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة أولئك الأحزاب } [ص: 12-13]، يشير إلى تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتصفيته عن اهتمام كفار مكة؛ لئلا يفيق قلبه عن تكذيبهم إياه، ولا يحزن عليهم لكفرهم فإن هؤلاء الأحزاب.
{ إن كل إلا كذب الرسل } [ص: 14] كما أن قومك كذبوك، { فحق عقاب } [ص: 14]؛ أي: فوجب عليهم عذابي؛ ليكونوا مظهر قهري، ومطلب نار غضبي، { وما ينظر هؤلآء } [ص: 15] كلهم، { إلا صيحة واحدة } [ص: 15] أثرا من أثار قهرنا، { ما لها من فواق } [ص: 15] راحة وخلاص، وبقوله: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } [ص: 16]، يشير إلى أن النفوس الخبيثة السفلية تميل بطبعها إلى السفليات؛ وهي في الدنيا لذائذ الشهوات الحيوانية، وفي الآخرة دركات أسفل سافلين جهنم، كما أن القلوب العلوية اللطيفة تميل بطبعها إلى العلويات؛ وهي في الدنيا حلاوة الطاعات ولذاذة القربات، وفي الآخرة درجات أعلى عليين الجنان، وكما أن الأرواح القدسية تشتاق بخصوصيتها إلى شواهد الحق، ومشاهد أنوار الجمال والجلال، ولكل من هؤلاء الأصناف جذبة بالخاصية من جاذبة بلا اختيار: كجذبة المغناطيس للحديد، وميلان طبع الحديد إلى المغناطيس من غير اختيار بل باضطرار، { اصبر على ما يقولون } [ص: 17] فيما يلتمسون من تعجيل العذاب، فعن قريب سينزل الله نصرك يا محمد ويعطيهم سؤلهم.
صفحه نامشخص