بل إن من دعا الناس إلى الغلو في القبور قد دعاهم إلى أن يكونوا أعداء لرسول الله ﷺ ولجميع أولياء الله تعالى ومحاربين لطريقتهم، وهم يظنون أنهم يوالونهم"١".
ما، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه فيذهب إليه ويدعو عنده، بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب الله – تعالى – دعوته لما قام بقلبه من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الحانة والحمام والسوق لأجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله – تعالى – يجيب المضطر ولو كان كافرًا". وينظر: الاقتضاء ص٧٤٨،٧٤٩، إغاثة اللهفان ص١٩٣، ٢١٤.
"١" فهم يظنون أنهم بهذا العمل يوالون الأنبياء والصالحين والأولياء الذين غلوا في قبورهم بالبناء عليها والتبرك بها بالدعاء والصلاة والذبح عندها والطواف بها، وغير ذلك من البدع التي أحدثها الجهال، ثم تلقاها من قل علمه وتلاعب به الشيطان، وهم في الحقيقة إنما عملوا بما يبغضه جميع أولياء الله ويحاربونه، لأنه معصية لله تعالى، ولنبيه ﷺ.
قال البركوي الحنفي المتوفى سنة "٩٨١هـ" في زيارة القبور بعد ذكره لنهي النبي ﷺ عن الغلو في القبور ص١٢، ١٣:"أبى أكثر الناس إلا عصيانًا لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين ... وتعظيم الأولياء والصالحين ومحبتهم إنما يكون باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها واتخاذها أوثانًا، فإن من اقتفى آثارهم كان سببًا لتكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وإياهم من ذلك الأجر، فأي تعظيم واحترام في هذا؟ "، وقال ﵀ أيضًا في المرجع نفسه ص٥٢:"وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، كما قال السلف من الصحابة