تاریخ الانبیاء
تاریخ الانبیاء
============================================================
ذكر ذي القرنين كتابي وأنا أرجو أن تعتزي بعز الله تعالى وتستعملي كتابي، يا أماه عليك السلام مني في الدنيا القليلة الفانية وعليك السلام مني في الآخرة الكثيرة الباقية الأبد الأبد ورحمة الله وبركاته. ثم طوى الكتاب وأرسله إليها فحين وصل قرىء عليها وإن إسكندر ثقل مرضه ولم يلبث إلا أياما قلاثل حتى مات فوضع في تابوت من ذهب وحمل إلى المدينة التي كانت أمه فيها فاجتمع الحكماء والعلماء وابتدأ عشرة منهم من رؤسائهم فتكلم كل واحد منهم بموعظة فقال الأول: أيها الساعي المتعوب في آمره المجتهد في جمع الأموال أيام عمره، جمعت ما هلهنا لغيرك عائد ووباله راكد عليك وقام الثاني وقال: أرى الإسكندر كان يجمع الذهب ويصونه والآن قد يضمه الذهب ويصوله، وقال الثالث: قد أصبح الإسكندر في أكنانه ملفوفا بعد أن كان بآماله محفوقا وبما جمعه مشغوفا، وقال الرابع: قد اضمحل ظل السحاب ولمع السراب، وقال الخامس: الدهر لا يزال يتردذ بأهله فإذا صاروا إلى أحب أحوالهم نقلهم إلى البلى والاضمحلال والهلاك والزوال، وقال السادس: إن اتعظ الاسكندر في حياته فقد نفعه وإن لم يتعظ فقد صار موعظة لمن تبعه، وقال السابع: عجبا لمن رأى الإسكندر في أمسه ويومه كيف سيره إلى الحطام الهامد والملك العائد، وقال الثامن: هذا لعمري قد تحيرت العقول في إدباره كما تحيرت في اقباله، وقال أتى الإسكندر من ربه ليس له مدفع ولا عنه مرحل، وقال التاسع: اعتبروا بمن مضى ولا تشتغلوا بمن بقي، وقال العاشر: انظروا إلى الإسكندر وإلى سبيله واعلموا أنكم لسبيله سالكون وعلى أثره ذاهبون، ثم إنه خرج إلى دار العامة فاجتمعوا عليه فقال بعض الحكماء حين رأى تابوته قال: هذا الإسكندر الذي كان باشر الخلق قد أصبح أسيرا. وقال آخرون: انظروا إلى حلم المنام كيف انقضى وإلى ظل الغمام كيف انجلى وقال آخر: كان الإسكندر دائما يعظ الناس وإنه لم يعظهم قط يقول أبلغ من وعظه إياهم بالسكوت وقال آخر: يا عجبا ممن لا يجترىء عليه أحد بالأمس صار لا يخافه أحد اليوم، وقال آخر: كان الإسكندر لا تسعه الدنيا حيا وقد وسعته ذراع منها ميتا، وقال آخر على قدر ارتفاعك في حياتك اتضاعك في مماتك وقال آخر: خرجت من عندنا ناطقا ورجعت إلينا ساكتا وقال آخر: طال ما سافرت ولم تسافر مثل سفرك هذا، وقال آخر: رب حريص كان على سكونك وكنت لا تسكن ورب حريص الآن على حركتك وأنت لا تتحرك، وقال آخر كان الإسكندر يهتم لرعيته بالأمس وتهتم له رعيته اليوم وقال آخر شاركوه في يوم حزنه فطال ما شاركهم في يوم سروره وقال حاجبه: قد دخل عليك اليوم بغير إذن من كان لا يجسر على طلب الإذن، وقال صاحب حرسه عجبا لمن حرسك كيف لم يحرسك من الموت وقال صاحب طعامه قد تصررت الموائد وبسطت النمارق وتصدرت المجالس والآن مضجعك التراب، وقال خازنه: أيها الملك إلى من أدفع اليوم
صفحه ۳۷۷