629

تفسير المراغي

تفسير المراغي

ناشر

شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م

مناطق
مصر
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
وفي هذا بشارة بنجاته من مكرهم واستيفاء أجله، وأنهم لا ينالون منه ما كانوا يريدون بمكرهم وخبثهم.
وللعلماء في تأويل هذه الآية رأيان:
(١) أن فيها تقديما وتأخيرا، والأصل: إنى رافعك إلىّ ومتوفيك، أي إنى رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك- وعلى هذا فهو قد رفع حيا بجسمه وروحه وأنه سينزل آخر الزمان، فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله.
(٢) أن الآية على ظاهرها، وأن التوفى هو الإماتة العادية، وأن الرفع بعده للروح ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه، فالروح هى حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هى هى.
والمعنى- إنى مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندى كما قال في إدريس ﵇ «وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا» .
وحديث الرفع والنزول آخر الزمان حديث آحاد يتعلق بأمر اعتقادي، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالدليل القاطع من قرآن أو حديث متواتر، ولا يوجد هنا واحد منهما، أو أن المراد بنزوله وحكمه في الأرض غلبة روحه، وسر رسالته على الناس بالأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها.
ذاك أن المسيح ﵇ لم يأت لليهود بشريعة جديدة. ولكن جاء بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر شريعة موسى ﵇، ويقفهم على فقهها والمراد منها فإن أصحاب هذه الشريعة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها، فكان لا بد لهم من إصلاح عيسوى يبين لهم أسرار الشريعة وروح الدين، وكل ذلك في القرآن الكريم الذي حجبوا عنه بالتقليد.

3 / 169