روض الأنف در شرح سیره نبوی
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤١٢ هـ
محل انتشار
بيروت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْقِيَاسِ، وَإِنّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الشّرْعِ، فَإِذَا نَظَرْت إلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ مِنْ ذِكْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ السّجْدَةِ: ٩ أَيْ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ، وَالْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَالنّفْخُ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إلَى مَلَكٍ يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ رَبّهِ، وَتَنْظُرُ إلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الرّسُولُ ﵇ أَنّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ، وَأَنّهَا تَتَعَارَفُ «١» وَتَتَشَامّ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنّهَا تُقْبَضُ من الأجساد بعد الموت، وأنها تسئل فِي الْقَبْرِ، فَتَفْهَمُ السّؤَالَ وَتَسْمَعُ وَتَرَى، وَتُنَعّمُ وَتُعَذّبُ وَتَلْتَذّ وَتَأْلَمُ، وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَتَعْرِفُ أَنّهَا أَجْسَامٌ بِهَذِهِ الدّلَائِلِ، لَكِنّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْسَادِ فِي كَثَافَتِهَا وَثِقَلِهَا وَإِظْلَامِهَا، إذْ الْأَجْسَادُ خُلِقَتْ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَحَمَإِ مَسْنُونٍ، فَهُوَ أَصْلُهَا، وَالْأَرْوَاحُ خُلِقَتْ مِمّا قَالَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ النّفْخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُضَافُ إلَى الْمَلَكِ.
وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ «٢»، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَضَافَ النّفْخَ إلَى نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ أَضَافَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزّمَرِ: ٤٢ وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْمَلَكِ أَيْضًا فَقَالَ: قُلْ:
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ السّجْدَةِ: ١١ وَالْفِعْلُ مُضَافٌ إلَى الْمَلَكِ مَجَازًا، وَإِلَى الرّبّ حَقِيقَةً، فَهُوَ أَيْضًا جِسْمٌ، وَلَكِنّهُ مِنْ جِنْسِ الرّيحِ، وَلِذَلِكَ سُمّيَ رُوحًا مِنْ لَفْظِ الرّيحِ، وَنَفْخُ الْمَلَكِ فِي مَعْنَى الرّيحِ غَيْرَ أَنّهُ ضُمّ أَوّلُهُ؛ لِأَنّهُ نورانى،
(١) «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها اختلف. وما تناكر منها اختلف» مسلم والبخارى فى الأدب وغيرهما.
(٢) فى مسلم عن عائشة: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»
3 / 185