435

فتفهم عنه. ويجوز أن يسمي ذلك دعاء إما على الحقيقة أو على المجاز. وقد قال أبو جعفر الطبري (1): إن ذلك ليس بأمر ولا دعاء ، ولكنه عبارة عن تكوين الشيء ووجوده ، كما قال تعالى في الذين مسخهم : ( كونوا قردة خاسئين ) (2) وإنما أخبر عن تكوينهم كذلك من غير أمر ولا دعاء ، فيكون المعنى على هذا التأويل. ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ، فإن الله تعالى يؤلف تلك الأجزاء ويعيد الحياة فيها ، فيأتينك سعيا ، وهذا وجه قريب.

فإن قيل : على الوجه الأول كيف يصح أن يدعوها وهي أحياء؟ وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك ؛ لأنه تعالى قال : ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ). وقال عقيب هذا الكلام من غير فصل : ( ثم ادعهن يأتينك سعيا ). فدل ذلك على ان الدعاء توجه إليهن وهن أجزاء متفرقة.

قلنا : ليس الأمر على ما ذكر في السؤال ؛ لأن قوله : ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) لا بد من تقدير محذوف بعده ، وهو : فإن الله يؤلفهن ويحييهن ( ثم ادعهن يأتينك سعيا ). ولا بد لمن حمل الدعاء لهن في حال التفرق وانتفاء الحياة من تقدير محذوف في الكلام عقيب قوله : ( ثم ادعهن )؛ لأنا نعلم أن تلك الأجزاء والأعضاء لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل ، ولا بد من أن يقدر في الكلام عقيب قوله : ( ثم ادعهن )، فإن الله تعالى يؤلفهن ويحييهن فيأتينك سعيا.

فأما أبو مسلم الاصفهاني فإنه فرارا من هذا السؤال حمل الكلام على وجه ظاهر الفساد ؛ لأنه قال إن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بأن يأخذ أربعة من الطيور ، ويجعل على كل جبل طيرا ، وعبر بالجزء عن الواحد من الأربعة ، ثم أمره بأن يدعوهن وهن أحياء من غير إماتة تقدمت ولا تفرق من الأعضاء ، ويمرنهن على الاستجابة لدعائه ، والمجيء إليه في كل وقت يدعوها فيه. ونبه

صفحه ۵۵۳