460

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

ناشر

دار الوسيلة للنشر والتوزيع

ویراست

الرابعة

محل انتشار

جدة

وصل الجيش الإسلامي إلى الطائف في حدود نهاية الأسبوع الثالث من شهر شوال، فباشروا إحكام الحصار حول حصون العدو مدة أسبوعين، وكان نزولهم أول الأمر قريبا من حصون العدو وعلى مرمى سهامهم مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء وجرح عدد آخر منهم، ثم تحول المسلمون وعسكروا في الموضع الذي بنى فيه المسجد «١»، وكان القتال تراشقا بالسهام في أول الأمر، ثم استخدم المسلمون «الدبابة» بهدف الوصول إلى الأسوار وثقبها آمنين من السهام، ولكن ثقيفا فطنت للأمر فألقت عليهم قطع حديد محمّاة أحرقت الدبابة وحين خرج المقاتلون المسلمون منها، ضربوهم بالسهام فقتلوا بعضهم.. واستخدم المسلمون المنجنيق لرمي التحصينات بالحجارة بهدف هدمها وإيقاع إصابات في قوات العدو في الوقت نفسه، غير أن قلة هذه الآلات وعدم وجود خبراء في استعمالها وإجادة التهديف بها جعل أثرها محدودا. «٢» ولذلك فقد وجد النبي ﷺ أن أفضل وسيلة للضغط على ثقيف هي في تهديد مواردها الاقتصادية الحيوية المتمثلة في بساتينها، فأمر ﷺ بتحريق بساتين الأعناب والنخيل في ضواحي الطائف، مما كان له أثره الكبير في كسر معنوياتهم، فناشدوا النبي ﷺ أن يدعها لله وللرحم، فاستجاب لهم النبي ﷺ بعد أن تحقق الهدف المنشود «٣» .
ونادى منادي النبي ﷺ عبيد الطائف قائلا: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر»، فنزل إليهم ثلاثة وعشرون عبدا، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، فأسلموا، فأعتقهم النبي ﷺ، ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم «٤» . غير أن كل ذلك لم يؤثر كثيرا في عناد ثقيف التي صمدت بوجه الحصار، ورغم ما واجهته من وابل السهام التي أمطرها بها المسلمون لينالوا بها درجة من الجنة وعدهم بها رسول الله ﷺ، وقد تمكنت ثقيف من إيقاع إصابات شديدة بالمسلمين فقد كثرت الجراحات بينهم واستشهد منهم اثنا عشر شهيدا، وكل ذلك مقابل ثلاثة قتلى في صفوف ثقيف التي كانت ممتنعة بالحصون والأسوار العالية «٥» .
أورد الإمام البخاري رواية صحيحة تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يستهدف من غزو الطائف وحصارها تحقيق فتحها، وإنما أراد أن يكسر شوكة ثقيف، ويجعل للمسلمين اليد العليا عليهم في وصولهم إليها ومحاصرتها في عقر دارها حيث عرفها أن بلادها- الطائف- هي في قبضة المسلمين وأنهم سيدخلونها متى شاءوا ذلك، «٦» ويظهر أن النبي ﷺ لم يرغب في أن يشق على المسلمين ويكثر من تقديم الشهداء منهم لفتح بلدة صغيرة حصينة تحيط بها ديار الإسلام من كل صوب، إذ لم يكن لثقيف رغم عنادها وصمودها إلا الإسلام أو الاستسلام،

(١) مسلم- الصحيح ٢/ ٧٣٦، أحمد- المسند ٣/ ١٥٧، وانظر رأي الحافظ ابن كثير- البداية والنهاية ٤/ ٣٥٦، ابن هشام- السيرة ٢/ ٤٧٨.
(٢) ابن هشام- السيرة ٢/ ٤٧٨- ٤٨٣ برواية ابن إسحاق.
(٣) البيهقي- السنن الكبرى ٩/ ٨٤، الشافعي- كتاب الأم ٧/ ٣٢٣.
(٤) البخاري- الصحيح ٥/ ١٢٩، أحمد- المسند ١/ ٢٣٦، ابن حجر- فتح الباري ٨/ ٤٦، الصنعاني- المصنّف ٥/ ٣٠١، ابن سعد- الطبقات ٢/ ١٥٨- ١٥٩، وانظر ابن هشام- السيرة ٢/ ٤٨٥.
(٥) البخاري- الصحيح ٨/ ٢٠، ابن هشام- السيرة ٢/ ٤٨٦- ٤٨٧، الواقدي- المغازي ٣/ ٩٢٩- ٣٠.
(٦) البخاري- الصحيح ٥/ ١٢٨، ٩/ ١١٣.

1 / 381