نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم
ناشر
دار الوسيلة للنشر والتوزيع
ویراست
الرابعة
محل انتشار
جدة
وقد ثبت أن الوحي قد نزل عليه أول ما نزل يوم الإثنين «١» . كما أن المشهور أن ذلك قد حصل في شهر رمضان. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٢» . والوحي إلى محمد ﷺ نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين، قال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا «٣» .
وكان الرسول ﷺ يعالج من التنزيل شدّة «٤»، وكان جبينه يتفصّد عرقا في اليوم الشديد البرد، وكان وجهه يتغير ويكرب «٥»، وجسمه يثقل يقول زيد بن ثابت: «فأنزل على رسول الله ﷺ، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتّى خفت أن ترضّ فخذي» «٦» . وكان يركز ذهنه بشدّة لحفظ القرآن، فيحرك به لسانه وشفتيه، فنزلت الآية:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
«٧» .
كان حرص النبي ﷺ على تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه والشوق إليه، وقد بيّنت ذلك الآية وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا «٨» .
ولقد أوضح النبي ﷺ كيف يأتيه الوحي حين قال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس- وهو أشدّه عليّ- فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» «٩» . وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة «١٠» .
استغرق نزول الوحي ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاثة عشر عاما بمكة المكرمة وهذا هو المشهور «١١» وعشر سنين في المدينة وهو المتفق عليه «١٢» .
إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية حيث تلقى النبي ﷺ كلام الله- القرآن الكريم- بواسطة الملك جبريل ﵇، وبالتالى فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام أو التأمل الباطني، أو الاستشعار
(١) مسلم- الصحيح ٨/ ٥١- ٥٢، أبو داود- السنن ٢/ ٨٠٨- ٩.
(٢) القرآن الكريم- سور البقرة، الآية/ ٨٥١.
(٣) القرآن الكريم- سورة النساء، الآية ١٦٣.
(٤) مسلم- الصحيح ١/ ٣٣٠.
(٥) المرجع السابق ٤/ ١٨١٧.
(٦) البخاري- الصحيح ٥/ ١٨٢.
(٧) القرآن الكريم- سورة القيامة، الآيات/ ١٦- ١٩، وانظر: البخاري- الصحيح ٦/ ٧٦، مسلم- الصحيح ١/ ٣٣٠.
(٨) القرآن الكريم- سورة طه، الآية/ ١١٤.
(٩) البخاري- الصحيح ١/ ٣٢، مسلم- الصحيح ٤/ ١٨١٦- ١٨١٧.
(١٠) البخاري- المصدر السابق ١/ ٢- ٣، مسلم- الصحيح ٤/ ١٨١٦- ٧.
(١١) البخاري- الصحيح ٢/ ٢٣٨، مسلم- الصحيح ٤/ ١٨٢٥- ٦ وكلاهما عن ابن عباس- ﵄، وانظر: الحاكم- المستدرك ٣/ ٢ عن طريق علي بن أبي طالب- ﵁.
(١٢) ابن سيد الناس- عيون الأثر ١/ ٨٩.
1 / 207