مستخرج
المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة
ویرایشگر
أ. د. عامر حسن صبري التَّميميُّ
ناشر
وزارة العدل والشئون الإسلامية البحرين
يُخْرَجُ مِثْلُهُ، أَتَخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ عَلَى نُوائِبِ الحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابنِ الدُّغُنَّةِ، وقَالُوا لابنِ الدُّغُنَّةِ: مُرْ أَبا بَكرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ ﷿ في دَارِه فَلْيُصَلِّ ولَيَقْرَأْ مَا شَاءَ ولَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، ولا يَسْتَعْلِنْ به، فإنَّا نَخْشَى أنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنا وأَبْنَاءَنا، فقالَ ذَلِكَ لأَبي بَكْرٍ ﵁، فَلَبِثَ أَبو بَكْرٍ ﵁ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ ﵎ في دَارِه ولَا يَسْتَعْلِنْ بِصَلَاتهِ ولا بِقِرَاءَتهِ في غَير دَارِه، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ ﵁ فَابْتَنَي مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِه فكَانَ يُصَلِّي فيهِ ويَقْرأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وأَبْنَاؤُهِم يُعْجَبُونَ منهُ ويَنْظَرُونَ إليهِ، وكانَ أَبو بَكْرٍ ﵁ رَجُلًا بَكَّاءً لا يمْلِكُ عَيْنَهُ إذا قَرأَ القُرْآنَ، فأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشركِينَ فأَرْسَلُوا إلى ابنِ الدُّغُنَّةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِم، فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا أَجَرْنا أَبا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ على أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ ﷿ في دَارِه، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، وابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِه، فأَعْلَنَ بالصَّلَاةِ والقِرَاءةِ فيهِ، وإنَّا قَدْ خَشِينا أَنْ تُفْتَن أَبْنَاءُنَا ونِسَاءُنَا، فَانْهَهُ، فإنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْصِرَ عَلَى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهَ ﷿ فَعَلَ، وإنْ أَبَى إلَّا أنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إليكَ ذِمَّتَكَ، فإنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، ولَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبي بَكْرٍ بالاسْتِعْلَانِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فأَتَى ابنُ الدُّغُنَّةِ إلى أَبي بَكْرٍ ﵁، فقالَ: قَدْ عَلمْتَ الذي عَاهَدْتُ لكَ عَلَيْهِم، فإمَّا أَنْ تَقْصُرَ عَلَى ذَلِكَ، وإمَّا أنْ تُرْجِعَ إليَّ ذِمَّتِي، فإنِّي لَا أَحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فقالَ أَبو بَكْرٍ ﵁: فإنِّي أَرُدُّ إليكَ جِوَارَكَ وأَرْضى بِجِوَارِ الله ﷿، ورَسُولُ الله ﷺ يَوْمِئذٍ قالَ للمُسْلِمِينَ: قَدْ أُرِيتُ أَرْضَ هِجْرَتُكُمْ،
1 / 192