فأما ان ثبت أن العموم أو الاطلاق أو الاستصحاب منزل على نوع دون نوع فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه هذا أقوى من الاول وهو فى الاستصحاب أقوى منه فى الخطاب وذلك لان صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة فتكافآ فى ذلك فم يجز لاحدهما الاستدلال بالظاهر وحده لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفقان فيه فمن أراد اخراج نوع آخر فعليه دليل ثان وحاصله أن خروج نوع يتفقان فى الدلالة عليه كما اتفقا فى حكمه وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان فى دليله كما لا يتفقان فى حكمه وانما هو اجماع مركب فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف منه ومثل ذلك فى الفروع الاحتجاج بعموم آية السرقة فى سارق ما أصله الاباحة وما يسرع فساده ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص وانما يقبح ذلك اذا كثرت الانواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الانواع المخرجة فهذا فيه تفصيل ونظر وهذا قد يتعارض فيه الاضمار والتخصيص فقيل هما سواء وقيل التخصيص أولى ويتعارض فيه المجاز والتخصيص وهذا البحث قد يقدح فى الاستمساك بأقل ما قيل لان القائل بوجوب ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الاجماع وغير براءة الذمة اذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس والمناظرة انما هى مع ذلك القائل الاول لا مع الثاني والثالث واجماعهم على وجوب الثلث نوع من الاجماعات المركبة فان وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول انما وجبت النصف لدليل فإن كان صحيحا وجب القول به وان كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث كما يقال مثل ذلك فى حلى الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية واجبار بنت خمس عشرة لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من الاخر كما فى هذه النظائر وقد يكون أحدهما هو العام كما فى نصاب السرقة وكما فى التقابض فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر مثل أن يقال للام مع الاخوين اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والاصل عدمه فان القائل بالثلث كذلك فهذا يشبه القول بأقل ما قيل بل هو هو ولو قال أيضا قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا فى توريث الاخوة لكان ضعيفا لان القدر الذى اتفقوا عليه انما هو مالم يقل انه حق الاخ الا ان يحتج على ميراث الجد بنص وبنفى ميراث الاخ بالاصل فهذا نوع آخر وقد يقال المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالاجماع وانما المانع منه المزاحمة وهى منتفية بالاصل فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لان الاجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم اجماع مفرد لا مركب
وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التى قد علم بالنص أو الاجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة وغالب كلام المتنازعين فى هذا النوع من الادلة وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل اذ الكلام فى أنواع الادلة ثم فى أنواع التقييدات من جهة والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك والله أعلم
وقد رأيتهم يستعملون مثل ما ذكرناه أولا فى القياس كقولهم فى أكثر الحيض دم يمنع فرض الصلاة وجواز الوطء فجاز أن يزيد على العشرة كالنفاس وهذا عندى من أفسد ما يكون من جهة أن الحكم فى الاصل ليس بحكم الفرع ومن جهة أن لا يمكنه أن يقول مقتضى القياس الاستواء مطلقا وانما خالفناه فيما زاد للاجماع لان معارضة الاجماع للقياس فى مقتضاه دليل فى فساده بخلاف معارضته للنص أو الاستصحاب وأيضا فان وجوب طرد القياس ليس كغيره من الادلة
صفحه ۴۳۹