المنتقى شرح موطأ
المنتقى شرح موطأ
ناشر
مطبعة السعادة
ویراست
الأولى
سال انتشار
۱۳۳۲ ه.ق
محل انتشار
بجوار محافظة مصر
قَضَاءُ التَّطَوُّعِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إلَيْهِمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ»
ــ
[المنتقى]
مِنْ هَذَا الشَّهْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الشُّهُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ قَدْ فَاتَ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الْأَعْوَامِ فَكَذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ شَهْرِ هَذَا الْعَامِ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ عَلَى وَجْهِ الِانْحِتَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَهَذَا قَدْ شَهِدَ هَذِهِ الْأَيَّامَ مِنْ الشَّهْرِ وَهُوَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهَا كَاَلَّذِي يَكُونُ مُقِيمًا فِي بَعْضِ الشَّهْرِ وَمُسَافِرًا فِي أَوَّلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِيَامُ مَا كَانَ مِنْهُ مُقِيمًا فِيهِ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ صِيَامِهِ قَدْ فَاتَ بِفَوَاتِ وَقْتِ الدُّخُولِ فِيهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَأَمَّا وُجُوبُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ قَالَ إنَّ الْإِسْلَامَ يُسْقِطُهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
(مَسْأَلَةٌ):
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ لَمَّا أَدْرَكَ بَعْضَ زَمَنِ صَوْمِهِ وَهُوَ بِصِفَةِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَقْتِ إسْلَامِهِ إلَى آخِرِهِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَرَوَاهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[قَضَاءُ التَّطَوُّعِ]
(ش): قَوْلُهُ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا فِي الْغَالِبِ نَهَارًا جَازَ لَهَا أَنْ تَصُومَ دُونَ إذْنِهِ فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لَمْ تَصُمْ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ السُّرِّيَّةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ فَلَيْسَ لَهَا الْمَنْعُ مِنْهُ بِالنَّوَافِلِ.
١ -
(فَصْلٌ):
وَمِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَنْ لَا حَاجَةَ لَهُمَا بِذَلِكَ يَكُونُ غَائِبًا أَوْ مُسِنًّا لَا يَنْبَسِطُ فَهَذَا لَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِذْنِ، وَكَذَلِكَ خَادِمُ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ السُّرِّيَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ فِي صَوْمِهِمَا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمَا إلَّا أَنْ يَضْعُفَ عَنْ الْخِدْمَةِ بِالصَّوْمِ فَيَكُونَ كَالْعَبْدِ لَا يَأْتِي مِنْ الصَّوْمِ مَا يَضْعُفُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ أَيْضًا مِنْ حُقُوقِ السَّيِّدِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُبْعِدَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِيَامِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ فَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَبِهَذَا أَقُولُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَذَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَفِيمَا تُدْخِلُهُ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا فَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ فَلَا إذْنَ لِأَحَدٍ فِيهِ عَلَى زَوْجَةٍ وَلَا عَبْدٍ، وَإِنْ أَضْعَفَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَوْمٌ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ كَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ صَامَ مِنْهُمْ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْفِطْرُ حَتَّى يُتِمَّ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ قَدْ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ وَهَلْ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُنَّ عَلَى الْفِطْرِ مَعَ الْإِذْنِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَاجَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّوْمِ.
2 / 67