418

المنتقى شرح موطأ

المنتقى شرح موطأ

ناشر

مطبعة السعادة

ویراست

الأولى

سال انتشار

۱۳۳۲ ه.ق

محل انتشار

بجوار محافظة مصر

مناطق
اسپانیا
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان
(ص): (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ قَالَ أَصَبْت أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً فَقَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً قَالَ لَا قَالَ فَاجْلِسْ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي فَقَالَ كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْت قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَطَاءُ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ فَقَالَ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى عِشْرِينَ») .
ــ
[المنتقى]
فِيهَا مُدًّا وَاحِدًا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
١ -
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُ الرَّجُلِ «لَا أَجِدُ» يَقْتَضِي شِدَّةَ فَقْرِهِ وَضِيقَ يَدِهِ عَنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَضَعْفِهِ عَنْ الصِّيَامِ وَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَ أَوْ يَقْوَى.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» الْعَرَقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ الزِّنْبِيلُ الْمَضْفُورُ وَيُقَال عَرَقَةٌ أَيْضًا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ الْعَرَقُ وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِنَّمَا الْعَرْقُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ لَحْمٌ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ التَّمْرَ الَّذِي جَاءَهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ الْكَفَّارَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيلِ لِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَالرِّفْقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنَّا» أَعْلَمَهُ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْقُوتِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إلَى تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا بَعْدَ وَقْتِهِ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعَاقَبْ مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلِهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ وَالْقُوتُ لَا يُمْكِنُهُ تَأْخِيرُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَحْوَجُ مِنْ الَّذِينَ تُصْرَفُ إلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ» لَعَلَّهُ ضَحِكَ مِنْهُ إذْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ يُخْرِجُهَا فَأَخَذَهَا صَدَقَةً فَحَمَلَهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ آثِمٍ وَهَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا وَسَعَةِ رِفْقِهِ بِنَا وَإِحْسَانِهِ إلَيْنَا وَهَلْ يَكُونُ أَكْلُهُ لِلتَّمْرِ يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَمْ لَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُجَزِّئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ كُلْهُ، وَرَوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ «أَطْعِمْهُ لِعِيَالِك» فَأَمَّا قَوْلُهُ كُلْهُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «أَطْعِمْهُ لِعِيَالِك» فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ لَأَجْزَأَ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ وَيُجْزِئُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الزُّهْرِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِبَقَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَبْلَ هَذَا بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رَأَيْت نَحْوَهُ لِلدَّاوُدِيِّ.
(ش): قَوْلُهُ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ» يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ نَدَمًا عَلَى خَطِيئَتِهِ وَإِشْفَاقًا مِمَّا أَتَى مِنْهَا وَحُزْنًا عَلَى عَظِيمِ جُرْمِهِ مِنْهَا وَقَوْلُهُ «هَلَكَ الْأَبْعَدُ» يُرِيدُ أَنَّهُ هَلَكَ بِمُوَاقَعَتِهِ الْخَطِيئَةَ وَكَنَّى الْمُحَدِّثُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْأَبْعَدِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إذَا حَكَتْ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَا يَجْمُلُ أَوْ خَاطَبَتْ بِهِ غَيْرَهُ فَلَمَّا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا ذَاكَ قَالَ أَصَبْت أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ» يُرِيدُ الْجِمَاعَ وَهَذَا اللَّفْظُ يُكَنَّى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا قُرِنَ بِمَحِلِّ الْجِمَاعِ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ ﷺ «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً» قَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتِلَافُهُمْ

2 / 55