المنتقى شرح موطأ
المنتقى شرح موطأ
ناشر
مطبعة السعادة
ویراست
الأولى
سال انتشار
۱۳۳۲ ه.ق
محل انتشار
بجوار محافظة مصر
مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»)
ــ
[المنتقى]
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ ذَلِكَ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ فَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّنَا إنَّمَا نُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَدَاءَ صَوْمِهِ وَلَا بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِتَيَقُّنِ الْفِطْرِ عَلَى صِفَاتٍ مُعْتَبَرَةٍ وَنَحْنُ لَا نَتَيَقَّنُ ذَلِكَ فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ.
(مَسْأَلَةٌ):
وَأَمَّا إنْ أَمْنَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهَلْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبَّلَ قُبْلَةً وَاحِدَةً فَأَنْزَلَ أَوْ قَبَّلَ فَالْتَذَّ فَعَاوَدَ فَأَنْزَلَ فَإِنْ قَبَّلَ قُبْلَةً وَاحِدَةً أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَنْزَلَ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَرِّرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي النَّظَرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ اللَّمْسَ وَالْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ لَيْسَتْ بِفِطْرٍ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُيُقِّنَ أَنْ يَئُولَ إلَى الْأَمْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ فَإِذَا فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَقْصِدْ الْإِنْزَالَ وَافَسَادَ الصَّوْمِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَإِذَا كَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَصَدَ إفْسَادَ صَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَظُنَّ مِنْهُ وُقُوعَ الْإِنْزَالِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ يَقَعُ بِهَا الْإِنْزَالُ كَثِيرًا وَهِيَ مِنْ دَوَاعِيهِ فَلَا تُفْعَلُ غَالِبًا إلَّا لِمَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي مِنْ صَدَدِهِ الْإِنْزَالُ فَالْفَاعِلُ لَهَا مُغَرِّرٌ بِصَوْمِهِ فَإِنْ كَانَ سَبَبَ إفْسَادِ صَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لِلصَّائِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّظَرُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَالَمَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَإِنْ نَظَرَ نَظْرَةً وَاحِدَةً يَقْصِدُ بِهَا اللَّذَّةَ فَأَنْزَلَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِهَا الِاسْتِمْتَاعَ كَانَتْ كَالْقُبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَرَوَى فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ مُتَجَرِّدَةٍ فَالْتَذَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُدِيمَ النَّظَرَ إلَيْهَا تَلَذُّذًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفَرَّقَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ بَيْنَ النَّظَرِ وَبَيْنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَاعَبَةِ فَجَعَلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْكَفَّارَةَ.
[مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ]
(ش): قَوْلُهُ «خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ يُرِيدُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِصَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهَذَا مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ كَذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ «فَأَفْطَرَ بِهِ فَأَفْطَرَ النَّاسُ لِفِطْرِهِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيَتَقَوَّوْا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ أَخَّرَ الْفِطْرَ إلَى الْكَدِيدِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ يَصِحُّ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
١ -
(مَسْأَلَةٌ):
إذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ الْفِطْرُ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ
2 / 48