المنتقى شرح موطأ
المنتقى شرح موطأ
ناشر
مطبعة السعادة
ویراست
الأولى
سال انتشار
۱۳۳۲ ه.ق
محل انتشار
بجوار محافظة مصر
(ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ») .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ») .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ» يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَطَاعَ أَمْرَ اللَّهِ فَجَمَعَ مَا فِيهِ مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ، ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا يُرِيدُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ إحْرَاقِهِ وَتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَقَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبُّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إيمَانِهِ وَعِلْمِهِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِمَقْصِدِهِ وَمُعْتَقِدِهِ فَكَيْفَ يُظَنُّ مَعَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إعَادَتِهِ.
(ش): قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخِلْقَةُ يُقَالُ فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ وَهُوَ فِي الشَّرْعِ الْحَالَةُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مِنْ الْإِيمَانِ رَوَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ تَفْسِيرَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ، وَقَدْ قِيلَ عَلَى فِطْرَةِ أَبِيهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَيُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا كَافِرٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ تَمَامِ الْوِلَادَةِ يَسْرِي إلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْهُمَا.
(فَصْلٌ):
قَوْلُهُ «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» يُرِيدُ أَنَّ أَبَوَيْهِ هُمَا اللَّذَانِ يَصْرِفَانِهِ عَنْ الْفِطْرَةِ وَمَا خُلِقَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ إلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا يُرَغِّبَانِهِ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ وَيُحَبِّبَانِ ذَلِكَ إلَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَانِهِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كَوْنَهُ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّينِ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِمَا وَيُعْقَدُ لَهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِعَقْدِهِمَا لَهُ وَيُوَارِثُهُمَا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ كَوْنُهُ تَبَعًا لَهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمَا.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ» يُرِيدُ تَامَّةَ الْخَلْقِ «هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا جَدْعَاءَ فِيهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِنَّمَا تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُغَيَّرُ خَلْقُهَا كَالْمَوْلُودِ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يُغَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ فَيُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ.
١ -
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ» يُرِيدُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ حَالِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ صَرْفَ أَبَوَيْهِ لَهُ عَنْ الْفِطْرَةِ إلَى دِينِهِمَا مَا يَكُونُ حَالُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَكَيْفَ يُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ وَيُخَلِّدُهُمْ فِي النَّارِ بِكُفْرِهِمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ كُفْرٌ فَقَالَ ﷺ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ لَوْ أَحْيَاهُمْ حَتَّى يَعْقِلُوا وَيُمْكِنَهُمْ الْعَمَلُ، وَفِي هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ مَصِيرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا مِنْ جِهَةِ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُمْ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِهِمْ مَا يُرِيدُ بِهِمْ مِنْ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ وَالتَّكْلِيفِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَجْزِيهِمْ بِذَلِكَ أَوْ يَكُونُ جَزَاؤُهُ لَهُمْ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يُوَفِّقُهُمْ لَهُ مِنْ الضَّلَالِ أَوْ الْهُدَى إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أَظْهَرُ فِي أَنَّ جَزَاءَهُمْ يَكُونُ عَلَى مَا عَلِمَ تَعَالَى مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ لَوْ بَلَّغَهُمْ حَدَّ التَّكْلِيفِ.
(ش): هَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أُمُورًا
2 / 33