324

مختصر تفسیر ابن کثیر

مختصر تفسير ابن كثير

ناشر

دار القرآن الكريم

ویراست

السابعة

سال انتشار

۱۴۰۲ ه.ق

محل انتشار

بيروت

مناطق
سوریه
ذلك يريد أن يتحاكم فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ تَخَاصَمَا، فَجَعَلَ الْيَهُودِيُّ يَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ مُحَمَّدٌ، وَذَاكَ يَقُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ (كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ) وَقِيلَ: فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المنافقين ممن أظهر الْإِسْلَامَ، أَرَادُوا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى حُكَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهَا ذَامَّةٌ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَحَاكَمُوا إِلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْبَاطِلِ وهو المراد بالطاغوت هنا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرها، وقوله: ﴿ويصدون عَنكَ صُدُودًا﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا كَالْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ فَكَيْفَ بِهِمْ إِذَا سَاقَتْهُمُ الْمَقَادِيرُ إِلَيْكَ فِي مَصَائِبَ تَطْرُقُهُمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ، وَاحْتَاجُوا إِلَيْكَ فِي ذلك؟ ﴿ثم جاؤك يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أَيْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكَ وَيَحْلِفُونَ مَا أَرَدْنَا بِذَهَابِنَا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إِلَّا الْإِحْسَانَ وَالتَّوْفِيقَ أَيِ الْمُدَارَاةَ وَالْمُصَانَعَةَ لَا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ (أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ) كَاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ الْيَهُودِ فِيمَا يَتَنَافَرُونَ فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (رواه الطبراني).
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَاكْتَفِ بِهِ يا محمد فيهم فإنه عَالِمٌ بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ لَا تُعَنِّفْهُمْ عَلَى مَا فِي قلوبهم، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي وانههم عما فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ وَسَرَائِرِ الشَّرِّ، ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أَيْ وَانْصَحْهُمْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ بِكَلَامٍ بَلِيغٍ رَادِعٍ لَهُمْ
- ٦٤ - وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
- ٦٥ - فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ﴾ أَيْ فُرِضَتْ طَاعَتُهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لَا يطيع أحد إلى بإذني، يعني لا يطيعه إِلَّا مَنْ وَفَّقْتُهُ لِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تحسونه بإذنه﴾ أَيْ عَنْ أَمْرِهِ وَقَدْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَسْلِيطِهِ إِيَّاكُمْ عليهم، وقوله: ﴿ولو أنهم إذا ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، يُرْشِدُ تَعَالَى الْعُصَاةَ وَالْمُذْنِبِينَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمُ الْخَطَأُ وَالْعِصْيَانُ أَنْ يَأْتُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ فَيَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ وَيَسْأَلُوهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ

1 / 409