556

عابد قال أبو يوسف صحبت شيخا في بعض طريق مكة فأعجبتني هيئته. فقلت: إني أحب أن أصحبك. قال: أنت وما أحببت. قال: فكان يمشي بالنهار فإذا أمسى أقام في منزل كان أو غيره، قال: فيقوم الليل يصلي، وكان يصوم في شد ذلك الحر فإذا أمسى عمد إلى جريب معه فأخرج منه شيئا فألقاه إلى فيه مرتين أو ثلاثا. وكان يدعوني فيقول هلم فأصب من هذا فأقول في نفسي والله ما هذا بمجزيك أنت، فكيف أشركك فيه? فلم يزل على ذلك ودخلت له في قلبي هيبة عندما رأيت من اجتهاده وصبره. قال: فبينا نحن في بعض المنازل إذ نظر إلى رجل يسوق حمارا فقال لي: انطلق فاشتر ذلك الحمار، فانطلقت وأنا أقول في نفسي: والله ما معي ثمنه ولا أعلم معه ثمنه فكيف أشتريه? قال: فأتيت صاحب الحمار فساومته به فأبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا، قال: فجئت إليه وقلت: قد أبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا قال خذه. واستخر الله قلت: الثمن? قال: سم الله ثم أدخل يدك في الجراب فخذ الثمن فأعطه. قال: فأخذت الجراب ثم قلت: بسم الله وأدخلت يدي فيه فإذا صرة فيها ثلاثون دينارا لا تزيد ولا تنقص. قال: فدفعتها إلى الرجل وأخذت الحمار وجئت به فقال لي: اركب فقلت له: أنت أضعف مني فاركب أنت. قال فلم يرادني الكلام، وركب فكنت أمشي مع حماره فحيث أدركه الليل أقام. فإنما هو راكع وساجد حتى أتينا عسفان، فلقيه شيخ فسلم عليه ثم خلوا فجعلا يبكيان. فلما أراد أن يتفرقا قال صاحبي للشيخ: أوصني، قال: نعم، ألزم التقوى قلبك وانصب دكر المعاد أمامك. قال: زدني. قال: استقبل الآخرة بالحسنى من عملك، وباشر عوارض الدنيا بالزهد من قلبك، واعلم أن الأكياس هم الذين عرفوا عيب الدنيا حين عمي على أهلها والسلام عليكم ورحمة الله. قال: ثم افترقا فقلت لصاحبي: من هذا الشيخ رحمك الله، فما رأيت أحسن كلاما منه? فقال: عبد من عبيد الله. قال فخرجنا من عسفان حتى أتينا مكة فلما انتهينا إلى الأبطح نزل عن حماره وقال لي: اثبت مكانك حتى أنظر إلى بيت الله نظرة ثم أعود إليك إن شاء الله. قال: فانطلق وعرض لي رجل فقال: تبيع الحمار? قلت: نعم. قال: بكم? قلت: بثلاثين دينارا. قال: قد أخذته منك. قلت: يا هذا والله ما هو لي وإنما هو لرفيق لي وقد ذهب إلى المسجد ولعله أن يجيء الآن قال: فإني لأكلمه إذ طلع الشيخ فقمت إليه فقلت: إني قد بعت الحمار بثلاثين دينارا. قال أما إنك لو كنت استزدته لزادك إن شاء الله فأما إذا بعت فأوجر. فأخذت من الرجل ثلاثين دينارا ودفعت الحمار إليه وجئت بالدنانير فقلت: ما أصنع بها? قال: هي لك فأنفقها. قلت: لا حاجة لي بها، قال: فألقها في الجراب. قال: فألقيتها في الجراب. قال: فطلبنا منزلا بالأبطح فنزلناه فقال أبغني دواة وقرطاسا. فأتيته بدواة وقرطاس. قال: فكتب كتابين ثم شدهما إلي وقال: انطلق به إلى عباد بن عباد وهو نازل في موضع كذا وكذا فادفعه إليه وأقرئه مني السلام ومن المسلمين. ثم دفع الآخر إلي وقال: ليكن هذا معك فإذا كان يوم النحر فاقرأه إن شاء الله. قال: فأخذت الكتاب فأتيت به عباد بن عباد وهو قاعد يحدث وعنده خلق كثير، فسلمت ثم قلت: رحمك الله، كتاب بعض إخوانك إليك، فأخذ الكتاب فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا عباد فإني أحذرك الفقر يوم يحتاج الناس إلى الذخر، فإن فقر الآخرة لا يسده غنى وإن مصاب الآخرة لا تجبر مصيبته أبدا، وأنا رجل من إخوانك وأنا ميت الساعة إن شاء الله فاحضرني لتليني وتول الصلاة علي وإدخالي حفرتي وأستودعك الله وجميع المسلمين، واقرأ السلام على رسول الله وعليكم جميعا السلام ورحمة الله. قال فلما قرأ عباد الكتاب قال: يا هذا أين هذا الرجل? قلت: بالأبطح. قال: فمريض هو? قلت: لا، تركته الساعة صحيحا قال: فقام وقام الناس معه حتى دخل عليه فإذا هو مستقبل القبلة ميت مسجى، عليه عباءة. فقال لي عباد: وهذا صاحبك? قلت: نعم. تركته الساعة صحيحا? قال: فجلس يبكي عند رأسه ثم أخذ في جهازه وصلى عليه ودفنه. قال: واحتشد الناس في جنازته، فلما كان يوم النحر قلت: والله لأقرأن الكتاب كما أمرني ففتحته فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: وأنت يا أخي فنفعك الله بمعروفك يوم يحتاج الناس إلى صالح أعمالهم، وجزاك عن صحبتنا خيرا فإن

صفحه ۶۵