528

عابدة عن حجاج بن ربان قال: دخلت أنا ابن أبي رفاعة مسجد الإسكندرية فإذا أنا بامرأة قد اعتزلت عن النساء وجعلت حولها حظيرة من حجارة، فتقدم إليها ابن أبي رفاعة فقال لها: ما لي أراك قد اعتزلت النساء وجعلت حولك هذه الحجارة? فقالت: يا أبا عبد الرحمن كلمة من هذه، وكلمة من هذه، وقد ذهب الصيام قال: فالتفت إلي ابن أبي رفاعة فقال: أترى هذه سمعت من مالك بن أنس شيئا? يعني أن الله تعالى هو الذي بصرها.

من المصطفين من أهل أبلة أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأبلي

كان أبو صخر من العباد، وكان يصلي ليله أجمع ويبكي. وكانت معه في الدار امرأة يهودية ساكنة تبكي رحمة له، فقال ليلة في دعائه: اللهم إن هذه اليهودية قد بكت رحمة لي ودينها مخالف لديني فأنت أولى برحمتي.

ذكر المصطفين من أهل المغرب

عابد قال ذو النون: بينا أنا سائر في بلاد المغرب إذا أنا برجل على عريش من البلوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوما وليلة أريد أن أسمع كلامه. فأشرف علي بوجهه، فسمعته يقول: شهد قلبي لله بالنوازل، وكيف لا يشهد قلبي بذلك? هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون، سيدي ما أحلى ذكرك، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا، وجدت لهم بالزيادة على ما طلبوا? فقلت له: يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع كلامك. فقال لي: قد رأيتك يا بطال حين أقبلت، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن. فقلت له: ولم ذلك? وما الذي أفزعك مني فقال: بطالتك يوم عملك وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على المظنون. فقلت له: يا حبيبي ما ها هنا فتية تستأنس بهم، فقال: بلى، ها هنا فتية متفرقون في رؤوس الجبال. قلت: فما طعامهم في هذا المكان? قال: أكلهم الفلق من خبز البلوط، ولباسهم الخرق من الثياب، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم، أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع وقرحت الجباه من السجود وتغيرت الألوان من السفر ضجوا إلى الله عز وجل بالاستغاثة.

صفحه ۳۴