مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
شابان كانا يتعبدان بالشام، سميا الصبيح والمليح لحسن عبادتهما، قالا: جعنا أياما، فقلت لصاحبي، أو قال لي: أخرج بنا إلى الصحراء، لعلنا نرى رجلا نعلمه بعض دينه، لعل الله عز وجل أن ينفعنا به. فلما أصحرنا استقبلنا أسود على رأسه حزمة حطب. فدنونا منه فقلنا له: يا هذا - من ربك? فرمى الحزمة عن رأسه وجلس عليها وقال: لا تقولا لي من ربك? ولكن قولا لي: أين محل الإيمان من قلبك فنظرت إلى صاحبي ونظر إلي صاحبي، ثم قال: سلا، سلا، فإن المريد لا تنقطع مسائله، فلما رآنا لا نحير جوابا قال: اللهم إن كنت تعلم أن لك عبادا كلما سألوك أعطيتهم فحول حزمتي هذه ذهبا، فرأيناها قضبان ذهب تلتمع، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم لك عبادا الإخمال أحب إليهم من الشهرة فردها حطبا. فرجعت والله حطبا.
ثم حملها على رأسه ومضى فلم نجترئ أن نتبعه.
عابد آخر
كان عابد من أهل الشام قد حمل على نفسه في العبادة. فقالت له أمه: يا بني عملت ما لم يعمل الناس أما تريد أن تهجع? فأقبل يردد عليها ويقول: ليتك كنت لي عقيما، إن لبنيك في القبر حبسا طويلا.
من عقلاء مجانين الشام
عابد قال عبد الواحد بن زيد: خرجت إلى الشام في طلب العباد فجعلت أجد الرجل بعد الرجل شديد الاجتهاد حتى قال لي رجل: قد كان ها هنا رجل من النحو الذي تريد، ولكنا فقدنا من عقله، فلا ندري، يريد أن يحتجب من الناس بذلك أم هو شيء أصابه? قلت: وما أنكرتم منه? قال: إذا كلمه أحد قال: الوليد وعاتكة، لا يزيده عليه. قال: قلت فكيف لي به? قال: هذه مدرجته. فانتظرته فإذا برجل واله، كريه الوجه، كريه المنظر، وافر الشعر، متغير اللون وإذا الصبيان حوله وخلفه وهو ساكت يمشي، وهم خلفه سكوت يمشون وعليه أطمار دنسة. قال: فتقدمت إليه فسلمت عليه، فالتفت إلي فرد علي السلام. فقلت: يرحمك الله إني أريد أن أكلمك.
فقال: الوليد وعاتكة. قلت: قد أخبرت بقصتك. فقال الوليد وعاتكة.
صفحه ۱۱