مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
قال الحارث أخذ بيدي رياح فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على مر الساعات ونحن على هذه الحال. قال وخرجت معه إلى المقابر، فلما نظر إلى القبور صرخ ثم خر مغشيا عليه، قال: فجلست والله عند رأسه أبكي فأفاق فقال: ما يبكيك? قلت: لما أرى بك. قال: لنفسك فابك. ثم قال: وانفساه، وانفساه، ثم غشي عليه.
قال: فرحمته والله مما نزل به فلم أزل عند رأسه حتى أفاق فوثب وهو يقول: تلك إذا كرة خاسرة - تلك إذا كرة خاسرة النازعات آية 12 ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله فدخل وأصفق بابه ورجعت إلى أهلي ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات.
عتبة الغلام وهو عتبة بن أبان بن صمعة
بكى عتبة الغلام في مجلس عبد الواحد بن زيد تسع سنين لا يفتر بكاء من حين يبتدئ عبد الواحد في الموعظة إلى أن يقوم لا يكاد يسكت عتبة. فقيل لعبد الواحد إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة. قال: فأصنع ماذا? يبكي عتبة على نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا.
قال سليم الحنيف: رمقت عتبة ذات ليلة بساحل البحر فما زاد ليلته تلك حتى أصبح على هذه الكلمات وهو قائم يقول: إن تعذبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى طلع الفجر.
أبو توبة قال: كان عتبة الغلام يأكل خبزا وملحا ويقول: العرس في الدار الأخرى.
كان عتبة يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول: كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الأخرى الشواء والطعام الطيب.
كان عتبة الغلام من نساك أهل البصرة وكان من أصحاب الفلق. وكان قد قوت لنفسه ستين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحر بأخرى، وكان يصوم الدهر ويأتي السواحل والجبابين.
كان عتبة يجالسنا فقال لنا يوما: إنه لا يعجبني رجل لا يكون في يده حرفة. فقلنا: ما نراك تحترف. فقال: بلى رأس مالي طسوج أشتري به خوصا أعمله وأبيعه بثلاثة طساسيج فطسوج رأس مالي وقيراط خبزي.
صفحه ۳۵۱