مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
قال: قال سيار رأيت ضيغما صلى نهاره أجمع وليله حتى بقي راكعا لا يقدر أن يسجد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قرة عيني، ثم خر ساجدا فسمعته يقول وهو ساجد: إلهي كيف عزفت قلوب الخليقة عنك? قال: وربما أصابته الفترة فإذا وجد ذلك اغتسل ثم دخل بيتا فأغلق بابه وقال: إلهي إليك جئت. قال: فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود.
قال: وسمعت سيار بن حاتم يقولك كان ورد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة.
عبيد الله بن عمر قال: أتيت صاحبا لي يقال له عمران بن مسلم فأراني موضعين مبتلين في مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت: ما هذا? قال: هذا والله من دموع ضيغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع.
أزهر بن مروان الرقاشي قال: رأيت ضيغما العابد وكنت إذا رأيته رأيت رجلا لا يشبه الناس من الخشوع والضر وطول الحزن.
عن سعيد البكاء قال: قال رجل لأم ضيغم: ما أطول حزن ضيغم. فبكت وقالت: لمثل ما ندب إليه فليحزن، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت يا بني محزونا.
قال مالك بن ضيغم: قالت أمه، يعني ضيغما، ذات يوم: ضيغم قال: لبيك يا أماه. قالت: كيف فرحك بالقدوم على الله? قال: فحدثني غير واحد من أهله أنه صاح صيحة لم يسمعوه صاح مثلها قط وسقط مغشيا عليه، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول: بأبي أنت ما نستطيع أن نذكر بين يديك شيئا من أمر ربك.
قال: وقالت له يوما: ضيغم قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت? قال: نعم يا أماه. قالت: ولم يا بني? قال: رجاء خير ما عند الله قال: فبكت العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون لبكائهم.
قال: وقالت له يوما آخر: ضيغم قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت? قال: لا أماه. قالت: لم يا بني? قال: لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي، قال: فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون، وكانت أمه عربية كأنها من أهل البادية.
صفحه ۳۴۵