346

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ویرایشگر

سيد إبراهيم

ناشر

دار الحديث

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

محل انتشار

القاهرة - مصر

مناطق
لبنان
امپراتوری‌ها و عصرها
ممالیک
وَجَعَلَهُمَا عُنْوَانَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، وَضَمَّنَهُمَا الْكَلِمَةَ الَّتِي لَا يَثْبُتُ لَهَا شَيْطَانٌ، وَافْتَتَحَ بِهَا كِتَابَهُ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ، وَكَانَ جِبْرَائِيلُ يَنْزِلُ بِهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ: (الرَّحْمَةُ رِقَّةُ الْقَلْبِ) تُرِيدُونَ رَحْمَةَ الْمَخْلُوقِ، أَمْ رَحْمَةَ الْخَالِقِ، أَمْ كُلُّ مَا سُمِّيَ رَحْمَةً، شَاهِدًا أَوْ غَائِبًا، فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ صَدَقْتُمْ وَلَمْ يَنْفَعْكُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ كُنْتُمْ قَائِلِينَ غَيْرَ الْحَقِّ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةُ الرَّحِيمِ وَهِيَ فِي كُلِّ مَوْصُوفٍ بِحَسَبَهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ حَيَوَانًا لَهُ قَلْبٌ فَرَحْمَتُهُ مِنْ جِنْسِهِ رِقَّةٌ قَائِمَةٌ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَلَكًا فَرَحَمَتُهُ تُنَاسِبُ ذَاتَهُ، فَإِذَا اتَّصَفَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بِالرَّحْمَةِ حَقِيقَةً، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ مِنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقِ لِمَخْلُوقٍ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَيَاةِ وَالْإِرَادَةِ إِلْزَامًا وَجَوَابًا، فَكَيْفَ يَكُونُ رَحْمَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ مَجَازًا دُونَ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ؟ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ اسْمَ الرَّحْمَةِ اسْتُعْمِلَ فِي صِفَةِ الْخَالِقِ وَصِفَةِ الْمَخْلُوقِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْمَوْصُوفِينَ، أَوْ حَقِيقَةً فِي الْخَالِقِ مَجَازًا فِي الْمَخْلُوقِ، أَوْ عَكْسَهُ، فَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِمَا، فَإِمَّا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ التَّوَاطُؤُ، أَوْ حَقِيقَتَانِ، وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً لِأَنَّ مَعْنَاهَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَيَجْمَعُهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ وَيَصِحُّ تَقْسِيمُهَا، وَخَوَاصُّ الْمُشْتَرَكِ مَنْفِيَّةٌ عَنْهَا، وَلِأَنَّهَا لَمْ يُشْتَقَّ لَهَا وَضْعٌ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ مِنَ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، فَبَقِيَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْخَالِقِ مَجَازًا فِي الْمَخْلُوقِ، الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً مُتَوَاطِئَةً أَوْ مُشْتَرَكَةً، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهَا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَجَازًا.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ أَنْ تَكُونَ رَحْمَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مَجَازًا، وَرَحْمَةُ الْعَبْدِ الضَّعِيفَةِ الْقَاصِرَةِ الْمَخْلُوقَةِ الْمُسْتَعَارَةِ مِنْ رَبِّهِ الَّتِي هِيَ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ حَقِيقَةً، وَهَلْ فِي قَلْبِ الْحَقَائِقِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ فَالْعِبَادُ إِنَّمَا حَصَلَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ كَمَالٌ فِي حَقِّهِمْ، مِنْ آثَارِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُمْ حَقِيقَةٌ، وَلَهُ مَجَازٌ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ

1 / 363