317

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها

ویرایشگر

علي النجدي ناصف، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح إسماعيل شلبي

ناشر

وزارة الأوقاف - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

محل انتشار

مصر

أي: أو أن أسوءَك، فكأن قال: أو مساءَتي إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا؛ أي: أن آوِيَ إلى ركن شديد، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "يُجْرِمَنَّكُمْ"١.
قال أبو الفتح: جَرَم الرجل ذنبًا إذا كسَب الْجُرْم، ثم ينقل فيقال: أَجْرَمْتُه ذنبًا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: "لَا يُجْرِمَنَّكُم" أي: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القوم تركَ العدل، كما يدعو الإنسان الحِفْظَة٢ والغضب إلى ما يَحوب٣ فيه وينال من دينه.
ومن ذلك قراءة السلمي: "بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين٤.
قال أبو الفتح: أما بَعُدَ فيكون مع الخير والشر، تقول: بَعُدَ عن الشر، وبَعُدَ عن الخير، ومصدرها البُعْدُ، وأما بَعِدَ ففي
الشر خاصة، يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، ومنه قولهم: أَبْعَدَه الله، فهو منقول من بَعِدَ؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بَعِدَ الموضوعة للشر. فقراءة السلمي هذه: "أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
وطريق ذلك أن يكون البُعْدُ بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله:
ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيْتُ عنه ... مُقَام الذئب كالرجل اللَّعِين٥
أي: مقام اللعين؛ أي: الْمُبْعَد، وعلى كل حال فالإبعاد للشيء نقص له وابتذال منه، فقد يلتقي معنى بَعِدَ مع معنى بَعُدَ من هذا الموضع، ألا ترى أنهم إذا أَدْنَوْا شيئًا من نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذن من صفات الذم،

١ سورة هود: ٨٩.
٢ الحفظة: الحمية.
٣ يحوب: يأثم، والمصدر الحوب بفتح الحاء وتضم.
٤ سورة هود: ٩٥.
٥ للشماخ من قصيدة مدح بها عرابة بن أوس، وقبله:
وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللَّجين
الورق اللجين: الذي ركب بعضه بعضًا فتلجن كما يتلجن بنات الخِطْمِي ويتلزج، أو الورق الساقط من الشجر عند ضربه بالعصا، وذعرت به: أي ذعرت فيه، ونفيت عنه مقام الذئب: أي نفيت الذئب عن مقامه، وخص القطا والذئب لأن القطا أهدى الطير، والذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى الماء، واللعين: الطريد الذي خلعه أهله لكثرة جناياته. الخزانة: ٢/ ٢٢٢ وما بعدها.

1 / 327