129

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها

ویرایشگر

علي النجدي ناصف، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح إسماعيل شلبي

ناشر

وزارة الأوقاف - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

محل انتشار

مصر

وقال:
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عَرْمضُها طام١
الأَمُّ: القصد، ومثله الأَمْتُ، ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد، والإمام أيضًا: خيط البنَّاء؛ لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه، والأُمَّة: الطريقة لأنها متعمدة، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٢ أي: على طريقة مقصودة.
ومن ذلك قراءة الزهري: "إلا أن تَغْمُضُوا فيه"٣ بفتح التاء من غمض، ورُوي أيضًا: "تُغَمِّضُوا فيه" مشددة الميم، وقرأ قتادة: "إلا أن تُغْمَضُوا فيه" بضم التاء وفتح الميم.
قال أبو الفتح: أما قراءة العامة؛ وهي: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فوجهها أن تأتوا غامضًا من الأمر لتطلبوا بذلك التأول على أخذه، فأغمض على هذا: أتى غامضًا من الأمر، كقولهم: أعمن الرجل: أتى عَمان، وأعرق: أتى العراق، وأنجد: أتى نجدًا، وأغار: أتى الغور. واختيار الأصمعي هنا غار، وليس هذا على قول الأصمعي أتى الغور، وإنما هو غار؛ أي: غمض وانشام٤ هناك، كقولك: ساخ وسرب، ولو أراد معنى صار إلى هناك لكان أغار، كما قال:
نَبِيٌّ يرى ما لا تَرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا٥
ورواية الأصمعي: غار، على ما مضى، وليس المعنى على ما قدمنا واحدًا.
وأما "تُغْمَضُوا فيه" فيكون منقولًا من غَمَض هو وأغمضه غيره، كقولك: خفي وأخفاه غيره، فهو كقراءة مَن قرأ: "أن تَغْمُضُوا فيه"، ولم يذكر ابن مجاهد هل الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ في هذا غَمَض الشيء يغمُض، كغار يغور، ودخل يدخُل، وكمن يكمُن، وغرب يغرُب.
والمعنى: أن غيرهم يُغْمِضُهم فيه من موضعين:
أحدهما: أن الناس يجدونهم قد غَمَضُوا فيه، فيكون من أفعلت الشيء وجدته كذلك، كأحمدت الرجل: وجدته محمودًا، وأذممته: وجدته مذمومًا، ومنه قوله:
وقومٍ كرامٍ قد نقلنا قِرَاهمُ ... إليهم فأَتلفنا المنايا وأتلفوا٦

١ لامرئ القيس. ضارج: موضع في بلاد بني عبس، والعرمض: الطحلب الأخضر الذي يتغشى الماء، وطام: مرتفع. الديوان: ١٨٢، واللسان: عرمض.
٢ سورة الزخرف: ٢٣.
٣ سورة البقرة: ٢٦٧.
٤ انشام في الشيء: دخل.
٥ للأعشى يمدح النبي ﷺ. وانظر: الديوان: ١٣٥.
٦ للفرزدق. ويروى: "وأضياف ليل قد نقلنا". وانظر: الديوان: ١/ ٥٦١.

1 / 139