مدارج السالكين
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ویرایشگر
محمد المعتصم بالله البغدادي
ناشر
دار الكتاب العربي
ویراست
السابعة
سال انتشار
۱۴۲۳ ه.ق
محل انتشار
بيروت
الْقَذْفِ، فَتَوْبَتُهُ مِنْهُ بِاسْتِغْفَارِهِ، وَاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِ الْقَذْفِ، وَنَدَمِهِ عَلَيْهِ، وَعَزْمِهِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَحَقًّا لِلْعَبْدِ، وَهُوَ إِلْحَاقُ الْعَارِ بِهِ، فَتَوْبَتُهُ مِنْهُ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، فَالتَّوْبَةُ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ صَادِقًا قَدْ عَايَنَ الزِّنَا، فَأَخْبَرَ بِهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ وَقَذْفُهَا بِالْكَذِبِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِ؟ .
قِيلَ: هَذَا هُوَ الْإِشْكَالُ الَّذِي قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ لِأَجْلِهِ مَا قَالَ إِنَّ تَوْبَتَهُ الِاعْتِرَافُ بِتَحْرِيمِ الْقَذْفِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِ الْكَذِبِ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْقَاذِفِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَاذِبٌ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، فَنَقُولُ:
الْكَذِبُ يُرَادُ بِهِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: الْخَبَرُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ لِمَخْبَرِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: كَذِبٌ عَمْدٌ، وَكَذِبٌ خَطَأٌ، فَكَذِبُ الْعَمْدِ مَعْرُوفٌ، وَكَذِبُ الْخَطَأِ كَكَذِبِ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ فِي فَتْوَاهُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَتِمَّ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ «كَذَبَ مَنْ قَالَهَا» لِمَنْ قَالَ: حَبِطَ عَمَلُ عَامِرٍ، حَيْثُ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، حَيْثُ قَالَ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ كَذِبِ الْخَطَأِ، وَمَعْنَاهُ أَخْطَأَ قَائِلُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْكَذِبِ: الْخَبَرُ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا لِمَخْبَرِهِ، كَخَبَرِ الْقَاذِفِ الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَالْإِخْبَارِ بِهِ، فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا لِمَخْبَرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَحُكْمُ اللَّهِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَةَ الْمُفْتَرِي الْكَاذِبِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَتَحَقَّقُ تَوْبَتُهُ حَتَّى يَعْتَرِفَ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى
1 / 371