278

مدارج السالكين

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ویرایشگر

محمد المعتصم بالله البغدادي

ناشر

دار الكتاب العربي

ویراست

السابعة

سال انتشار

۱۴۲۳ ه.ق

محل انتشار

بيروت

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ممالیک
وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِمَسْأَلَةٍ شَرِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ هَلِ الْمُطِيعُ الَّذِي لَمْ يَعْصِ خَيْرٌ مِنَ الْعَاصِي الَّذِي تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، أَوْ هَذَا التَّائِبُ أَفْضَلُ مِنْهُ؟
اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.
فَطَائِفَةٌ رَجَّحَتْ مَنْ لَمْ يَعْصِ عَلَى مَنْ عَصَى وَتَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَكْمَلَ الْخَلْقِ وَأَفْضَلَهُمْ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَعْصِ أَطْوَعُ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ.
الثَّانِي: أَنَّ فِي زَمَنِ اشْتِغَالِ الْعَاصِي بِمَعْصِيَتِهِ يَسْبِقُهُ الْمُطِيعُ عِدَّةَ مَرَاحِلَ إِلَى فَوْقُ، فَتَكُونُ دَرَجَتُهُ أَعْلَى مِنْ دَرَجَتِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا تَابَ اسْتَقْبَلَ سَيْرَهُ لِيَلْحَقَهُ، وَذَاكَ فِي سَيْرٍ آخَرَ، فَأَنَّى لَهُ بِلَحَاقِهِ؟ فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْكَسْبِ، كُلَّمَا كَسَبَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا كَسَبَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمَا إِلَى كَسْبِهِ فَأَضَاعَهُ، وَأَمْسَكَ عَنِ الْكَسْبِ الْمُسْتَأْنَفِ، وَالْآخَرُ مُجِدٌّ فِي الْكَسْبِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْمُنَافَسَةِ، وَعَادَ إِلَى الْكَسْبِ وَجَدَ صَاحِبَهُ قَدْ كَسَبَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلَا يَكْسِبُ شَيْئًا إِلَّا كَسَبَ صَاحِبُهُ نَظِيرَهُ، فَأَنَّى لَهُ بِمُسَاوَاتِهِ؟ .
الثَّالِثُ: أَنَّ غَايَةَ التَّوْبَةِ أَنْ تَمْحُوَ عَنْ هَذَا سَيِّئَاتِهِ، وَيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا، فَيَكُونَ سَعْيُهُ فِي مُدَّةِ الْمَعْصِيَةِ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، فَأَيْنَ هَذَا السَّعْيُ مِنْ سَعْيِ مَنْ هُوَ كَاسِبٌ رَابِحٌ؟ .
الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى مَعَاصِيهِ وَمُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ، فَفِي مُدَّةِ اشْتِغَالِ هَذَا بِالذُّنُوبِ كَانَ حَظُّهُ الْمَقْتَ، وَحَظُّ الْمُطِيعِ الرِّضَا، فَاللَّهُ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ رَاضِيًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا خَيْرٌ مِمَّنْ كَانَ اللَّهُ رَاضِيًا عَنْهُ ثُمَّ مَقَتَهُ، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ، فَإِنَّ الرِّضَا الْمُسْتَمِرَّ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تَخَلَّلَهُ الْمَقْتُ.
الْخَامِسُ: أَنْ الذَّنْبَ بِمَنْزِلَةِ شُرْبِ السُّمِّ، وَالتَّوْبَةَ تِرْيَاقُهُ وَدَوَاؤُهُ، وَالطَّاعَةَ هِيَ الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ، وَصِحَّةٌ وَعَافِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ خَيْرٌ مِنْ صِحَّةٍ تَخَلَّلَهَا مَرَضٌ وَشُرْبُ سُمٍّ أَفَاقَ مِنْهُ، وَرُبَّمَا أَدَّيَا بِهِ إِلَى التَّلَفِ أَوِ الْمَرَضِ أَبَدًا.
السَّادِسُ: أَنَّ الْعَاصِيَ عَلَى خَطَرٍ شَدِيدٍ، فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: الْعَطَبُ وَالْهَلَاكُ بِشُرْبِ السُّمِّ.
الثَّانِي: النُّقْصَانُ مِنَ الْقُوَّةِ وَضَعْفُهَا إِنْ سَلِمَ مِنَ الْهَلَاكِ.
وَالثَّالِثُ: عَوْدُ قُوَّتِهِ إِلَيْهِ كَمَا كَانَتْ أَوْ خَيْرًا مِنْهَا بَعِيدٌ.

1 / 304