مدارج السالكين
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ویرایشگر
محمد المعتصم بالله البغدادي
ناشر
دار الكتاب العربي
ویراست
السابعة
سال انتشار
۱۴۲۳ ه.ق
محل انتشار
بيروت
وَغَلَبَ عَلَيْهِ - مَعَ مُدَافَعَتِهِ لَهُ - خَشْيَةَ إِضَاعَةِ الْحَقِّ، فَهَذَا مَعْذُورٌ، وَلَيْسَ بِكَامِلٍ فِي حَالِهِ، بَلِ الْكَمَالُ وَرَاءَ ذَلِكَ، وَهُوَ الِانْتِقَالُ عَنْ وَادِي الْجَمْعِ وَالْفَنَاءِ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ إِلَى أَوْدِيَةِ الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْبَقَاءِ، فَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُنَادِي عَلَيْهِ شَيْخُ الطَّائِفَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵀، وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ هَذَا الْجَمْعِ وَالْفَنَاءِ مَا وَقَعَ لِأَجْلِهِ، فَهَجَرَهُمْ وَحَذَّرَ مِنْهُمْ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْفَرْقِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْفَرْقَ فَرْقَانِ، الْفَرْقُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ النَّفْسِيُّ الطَّبِيعِيُّ الْمَذْمُومُ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى الْجَمْعِ وَالْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ، بَلِ الشَّأْنُ فِي شُهُودِ هَذَا الْجَمْعِ وَاسْتِصْحَابِهِ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الدِّينِيَّةُ، وَمَنْ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِذَلِكَ فَلْيَتْرُكْ جَمْعَهُ وَفَنَاءَهُ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلْيَنْبُذْهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، مُشْتَغِلًا بِالْفَرْقِ الثَّانِي، وَالْكَمَالُ أَيْضًا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَهُوَ شُهُودُ الْجَمْعِ فِي الْفَرْقِ، وَالْكَثْرَةِ فِي الْوَحْدَةِ، وَتَحْكِيمُ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ، فَهَذَا حَالُ الْعَارِفِينَ الْكُمَّلِ:
يَسْقِي وَيَشْرَبُ لَا تُلْهِيهِ سَكْرَتُهُ ... عَنِ النَّدِيمِ وَلَا يَلْهُو عَنِ الْكَاسِ
«إِنِّي لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا، كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» وَكَانَ ﷺ فِي صَلَاتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِاللَّهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ يَشْعُرُ بِعَائِشَةَ إِذَا اسْتَفْتَحَتِ الْبَابَ، فَيَمْشِي خُطُوَاتٍ يَفْتَحُ لَهَا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرَ فِي صَلَاتِهِ تِبْرًا كَانَ عِنْدَهُ، فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَقَسَّمَهُ وَعَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَلَمْ تَشْغَلْهُ جَمْعِيَّتُهُ الْعُظْمَى - الَّتِي لَا يُدْرِكُ لَهَا مَنْ بَعْدَهُ رَائِحَةً - عَنْ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
1 / 262