ماثر سلطانیه
المآثر السلطانية
وبالمصاحب لذلك الحال، وصل الجنرال، وأحاط فرسان القوزاق حول الحراس وأسروهم جميعا، وساقوهم على عجل، وفى وقت الصباح، أرسلوا جيشا بالقرب من المعسكر، وقد اعتقد جيش المسلمين كذلك وهو أن صادق خان قد رجع، وعندما نظروا جيدا، ظهرت راية جماعة روسيا، ولم يجدوا مجالا لتسوية صفوفهم، وقد لاح فى الفكر استحالة تجمع الجيش، وصعب الثبات والتحمل فى مثل هذا الوقت، فضغط النواب نائب السلطنة، الذى كان الله مدده الذى لا مثيل له وحظه العالى المنتصر فى المصائب، بقدم الثبات والدوام، وأصدر الأمر على الفور بقذف قذائف الهاونات والمدافع الصغيرة، حتى يرجع الجمع، الذى كان قد رحل إلى الصحراء بدوابه [ص 296]، إلى المعسكر بسبب تلك القذائف دون أن يدرك وقوع الحادثة وأتى حضرته بنفسه من خيمة الجلالة وسط الجند والمدفعية، وقرع طبول الحرب، وسوى صفوف الجند التى كانت متصلة بخيام المعسكر، ولأنه لم يبق فاصل بين الجيشين، فقد صدر الحكم بأن يرحل على استعجال كامل عليخان رئيس الجلادين الحرفيين والصناع وعمال المعسكر والسوقة والمسئولين عن أحمال الجيش وعتاده إلى شكى، ويحملهم بعيدا عن معركة الحرب والغوغاء. وقد تجرأ فرسان القوزاق بسبب قلة الفرسان المسلمين وفتحوا عنانهم، فهجم النواب نائب السلطنة مع غلمانه الخواص، وهزمهم من الهجمة الأولى، ودخل وسط الجنود الروس ومدفعيتهم، ولكن ما فائدة ذلك للروس؟! فقد اشتعلت نيران المدافع والبنادق بسبب مشاهدة هذا الحال، وقد طالت ألسنة نيران لهب المعركة كالرءوس. ولما كان المعلمون الإنجليز قد أبعدوا أنفسهم عن الأمر «1»، فلم يجد المدفعيون المبتدئون الأذربيجانيون أيضا استقلالية فى هذا الأمر، ولم تكن معركة المدفعية طبقا لرغبة نائب السلطنة وأمنيته. وتحرك من تحت جواد السماء، وأحكم ذيله، الذى كان قطعة حريرية تلف حوله، على حزام وسطه، وكان ينثر بيده كالبحر قطعات اللهب من فوهات المدافع جهنمية النيران على ذيل الفلك الدوار، وكانت صواعق المدافع والبنادق من الجانبين مثل سحاب الربيع الساقط للصواعق، وكانت ساحة المعركة مثل هواء الهاوية المثيرة للنيران. وقد بذل نائب السلطنة البطولات فى مثل ذلك اليوم ذى العاقبة المحرقة والتى صارت باعثة على حيرة القاصى والدانى، وهجم بالمدفعية على صفوف الجند، وشجع الرجال الأسود على المعركة والقتال، ورفع ساعد الجلادة والبسالة. وكان فوج الجند الموجود، الذى كان أقل فى العدد بمراحل من الجنود الروس، قد بذك المساعى البطولية، وأصبحوا سدا فى وجه النيران لمدة ثلاث أو أربع ساعات حتى وصلت أكثر دواب أهل المعسكر، كما وصل جمع خال من آداب المعركة بأنفسهم من وسط النيران المحرقة إلى طابور الأمن والسلامة.
ولم ير ولى العهد [ص 297] التوقف أكثر فى ذلك المكان مقرونا بالمنفعة والفائدة وانسحب من ذلك المكان إلى بداية (قدم) هضبة آصلان دوز التى لم تكن مفصولة عن الروس بأكثر من مسافة سهم مصوب إلى هدفه. وفى ذلك اليوم ظهرت القوة المحرقة ذات القدم الثابت من جعفر قلى خان مقدم الذى كان قائد فوج مراغة، وقد صارت مصابرته أساس قوة الجند الشقاقيين والنخجوانيين الجدد. وقد سمع فى معركة القتال الإثناءات المتنوعة من لسان نائب السلطنة فى معركة القتال، وقد سوى الروس صفوفهم وعبئوا ألوفهم فى مكان المعسكر، ولم يتنفس جيش المسلمين المتصل بهضبة آصلان دوز الراحة فى ذلك اليوم وحتى المساء، وحدثت المعارك المتوالية، ولم تحتمل غيرة نائب السلطنة تلك الخسارة من روسيا، ولم يكن للروس حيلة سوى الدفاع والمقاومة.
صفحه ۳۳۵