Lessons by Sheikh Safar al-Hawali
دروس للشيخ سفر الحوالي
مناطق
•عربستان سعودی
امپراتوریها و عصرها
آل سعود (نجد، حجاز، عربستان سعودی مدرن)، ۱۱۴۸- / ۱۷۳۵-
اجتهاد النبي ﷺ في الدعوة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى جميع الأنبياء الذين دعوا إلى الله، وجاهدوا في الله حق جهاده، وتحملوا في سبيل ذلك كل أذى، وصبروا على كل ابتلاء، حتى قتل منهم من قتل، وأوذي منهم من أوذي، فأقام الله ﵎ بهم الدين، وأقام الحجة على العالمين، ورضي الله ﵎ عن الصحابة الكرام، الذين اقتفوا نهج نبيهم ﷺ هم ومن اتبعهم من السلف الصالح بإحسان، فكانوا خير دعاة إلى خير منهج، ونسأله ﵎ بأسمائه الحسنى أن يلحقنا بهم على طريق الدعوة الصحيح، وأن يجعلنا ممن يدعو إليه على بصيرة، فلا يدعو إلى غيره أبدًا، ولا يدعو إليه على ضلالة أبدًا.
أما بعد: فموضوع منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ليس بالموضوع الهين، فإنه أمر جلل، والأمة الإسلامية اليوم، وهي تشهد صحوة وتوبة وأوبة إلى الله، وتشهد -في الوقت نفسه- مناهج وطرقًا مختلفة في الدعوة إلى الله هي أحوج ما تكون إلى معرفة منهج النبي ﷺ، ومنهج الأنبياء الكرام في الدعوة إلى الله؛ فليس هناك منهج يقتدى به في الدعوة والعلم والعمل إلا منهج النبي ﷺ، ومن تبعه من الصحابة الكرام والسلف الصالح.
ولا يصلح آخر هذا الأمة إلا بما صلح به أولها وبما أصلح أولها، فيجب أن نعي هذه الحقيقة وهذا البرهان الذي بينه الله في كتابه أجلى بيان، وليس في قدرة الإنسان أن يعرض عامة منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، فضلًا عن سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكننا نأخذ من كتاب الله ما نص الله فيه نصًا على غاية الدعوة ومنهجها، وما طبقه النبي ﷺ الذي كان خلقه القرآن، والذي عمل بما أنزله الله عليه وبلغه غاية العمل والبلاغ.
أولًا:- المنهج النبوي في الدعوة إلى الله:- إن الله ﵎ في الذكر الحكيم والقرآن المبين، الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، قد ذكر منهج الدعوة وحدده في آية واحدة موجزة من كتابه كاملًا غير منقوص، ولو تأملها كل الدعاة، ولو تدبرها كل من يقرأ كتاب الله؛ لما وُجِد هذا الاختلاف والافتراق في ساحة الدعوة إلى الله.
ومن هنا نعرف قيمة القرآن، ونعرف قدر القرآن، ونعرف مدى تفريطنا في كتاب الله ﷿.
فإذا أردنا الهدى، والحق، والخير، فهو في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ؛ فلا نذهب ونتخبط في التجارب يمينًا وشمالًا، والله في آية واحدة جامعة قد بيَّن لنا كيف ندعو إليه؛ وفي آية أخرى بيَّن لنا أساليب الدعوة وطرائقها.
فكأن موضوع الدرس سيتركز على شرح هاتين الآيتين، وليتنا نستطيع أن نشرح هاتين الآيتين، فما بالكم ببقية الآيات والقصص، التي أنزلها الله وقصها علينا في الدعوة إليه ﷾؟! أما الآية الجامعة الأولى فهي قول الله في آخر سورة يوسف ﵇: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فهذه الآية فيها منهج الدعوة كاملًا، وفيها غاية الدعوة، وفيها إشارة إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة، على ما سنبينه إن شاء الله.
وجوه قراءة الآية: وفي الآية وجهان، لا بد أن نبينهما قبل أن نشرع في بيان تفصيل الآية، لأن المعنى يترتب عليهما: الوجه الأول: أن تقرأ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] ثم تقول: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
والوجه الثاني في قراءتها تقرأها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] ففي كل وجه معنى يختلف عن المعنى الآخر على ما سنورده إن شاء الله تعالى.
فالله يقول لنبيه ﷺ وهو إمام الدعاة، وهو الذي دعا إلى ربه خير دعوة، وبعث بأعم الرسالات وأكملها يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: قل للناس جميعًا للمؤمنين والكافرين: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] والإشارة هنا للتعظيم وللفت الأنظار؛ أي هذه سبيلي وطريقتي ومنهجي، وهذا شأني، وهذا حالي، وهذا عملي، وهذا ديدني، وهذا شغلي الشاغل وهو أن أدعو إلى الله.
ولو وقفنا عند كلمة أدعو، حيث كان شأنه ﷺ في حياته كلها: الدعوة إلى الله، والجهاد من أجل الدعوة إلى الله، كما قال ﷺ عن نفسه: ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾.
فالجهاد إنما هو من أجل الدعوة إلى الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله قال ﷺ: ﴿من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ وليس هنالك من هدف آخر وكل هدف مشروع فهو تبع لهذا الهدف الأسمى (وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له).
ففي أي بلد، وفي أي موضع، وفي أي وقت الجهاد إنما يكون لتحقيق هذا الهدف؛ قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وهذه الآية بعد قوله تعالى لنبيه ﷺ وأصحابه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] فجعل الله الإذن بالجهاد مرتبطًا بتلك الغاية، وهي: أن يقام الدين، وأن تقام الصلاة، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.
فجهاده ﷺ هو من أجل الدعوة، وحياته ﷺ مع أصحابه وهو يعلمهم ما أنزل الله عليه من الكتاب والحكمة هي دعوة إلى الله؛ وما كان ﷺ يلقي المعلومات لتحفظ أو ليصبح الناس علماء، ولا كان الصحابة الكرام يتلقونها لمجرد أن يكونوا علماء أيضًا وإنما هي دعوة إلى الله، فما يأمرهم به من أمر كانوا يمتثلونه ويتقربون به إلى الله ويبلغونه إلى من خلفهم، وهو ﷺ إذا أمرهم بأمر؛ فهو أتقاهم لله، وأول من يعمل به ﷺ؛ فكله من أجل الله ولذات الله.
وكذلك حياته ﷺ مع زوجاته الطيبات الطاهرات كانت دعوة إلى الله؛ لتتعلم الأمة كيف تعاشر أزواجها.
ثانيًا: حياته: وكذلك حياته ﷺ مع أعدائه، ومع جيرانه، ومع كل من عاشره كانت دعوة إلى الله؛ لنعرف كيف نحارب كما حارب رسول الله ﷺ، وكيف نحب كما أحب رسول الله ﷺ، وكيف نعامل المسلمين كما عاملهم رسول الله ﷺ.
فشأنه في كل حياته دعوة إلى الله، حتى وهو يمشي ﷺ؛ فمشيته دعوة إلى الله، حتى كان الصحابة الكرام يعرفون أيهم أكثر شبهًا في هديه وسمته بالنبي ﷺ، كما قال عمرو بن ميمون الأودي: "إن ابن مسعود كان كذلك، ثم كان بعده حذيفة "، فكانوا يتشبهون به ﷺ في هديه الظاهر، فما بالكم بهديه الباطن وإيمانه القلبي؟! هكذا كانت نظرتهم إليه، فقد بعثه الله لنا قدوة، وجعل لنا فيه أسوة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وكل مؤمن من أتباعه ﷺ؛ فهو على حظ من ذلك، فليكثر أو يقل! فإذًا: حياته ﷺ كلها دعوة.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] فالرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح؛ كانوا يدعون إلى الله وحده لا شريك له، ورحم الله الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين قال تعليقًا على هذه الآية، عندما أوردها في كتاب التوحيد، في باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله: وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: ' التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه ' -عافنا الله وإياكم- وهذا من أخطر الأمراض وأدقها، نسأل الله أن يعافينا وإياكم أجمعين من أمراض القلوب.
فمرض القلب: أن يدعو الإنسان إلى غير الله، ويظن أن دعوته هي إلى الله، وإن كان لا يدعو إلا بالكتاب والسنة، ولكن مرض القلب هذا يأتي، فيوهن دعوته، ويوهن إيمانه؛ حتى تصبح كلماته مثل الهواء جوفاء لا معنى لها ولا قيمة؛ لأنها ليست إلى الله وليست خالصة لوجه الله ﷾.
وأما الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا ومنهم النبي ﷺ؛ ما دعوا إلا إلى الله؛ ولهذا نجد النبي ﷺ يكلمه عمه، ويساومه قومه فقالوا له: ﴿﴿إن كنت تريد الملك ملكناك، وإن كنت تريد الزوجة زوجناك، وإن كنت تريد المال أعطيناك﴾﴾ فعرضوا عليه كل شيء؛ حتى عرضوا عليه أن يعبدوا إلهه سنة، ويعبد هوآلهتهم سنة، وكل ذلك ليصرفوه عن هدفه، وهو ل
9 / 2