جوهر شفاف
الجوهر الشفاف الملتقط من مغاصات الكشاف
وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا(128)ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما(129) {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} أي: توقعت منه ذلك لما تراه من مخالفته وإمارته والنشوز أن يتجافا عنها بأن يمنعها نفسه وافقته والمودة والرحمة التي بين الرجل وأن يود بها بسب أو ضرب {أو إعراضا} الإعراض هو أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها وموانستها وذلك لبعض الأسباب من طعن في السن وإدمامه في خلق وخلق أو ملال وطموح عين إلى أخرى أو غير ذلك {فلا جناح عليهما أن يحصلحا بينهما صلحا} أي: لا بأس بهما أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها كما فعلت سودة أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها وكما روي أن امرأة الأدان يطلقها زوجها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال إن كان هذا يصلح فهو أحب لي فأقرها أو توهب له بعض المهر أو كله والنفقة فإن لم يفعل وليس له إلا أن يمسكها بالإحسان بمعروف أو يسرحها {والصلح خير} من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة أو هو خير من الخصومة في كل شئ والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور [98{{وأحضرت الأنفس الشح} معنى إحضار الأنفس الشح أن الشح جعل لها حاضرا لا يغيب عنها أبدا ولا ينفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها والرجل لا يتكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يسمكها إذا كرهها وأخب غيرها {وإن تحسنوا} بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة {وتتقوا} النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة {فإن الله كان بما تعملون} من الإحسان والتقوى {خبيرا} فهو يثبكم عليه وكان عمران بن قحطان الخارجي من أسرة آدم خلقا وامرأة من أجملها فحالت في وجهة نظرها يوما ثم تابعت الحمد لله فقال مالك فقالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة قال كيف قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فحمدت فصبرت والصابر والشاكر في الجنة {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} أي: محال أن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا تقع البتة بلا زيادة ولا نقصان فيما يجب له ورفع لهن فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته وما كلفكم إلا ما تقدرون عليه لأن تكليف مالا يستطاع داخل في حد الظلم وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقسم بين نسائه ويقول هذه قسمتي فيما أملك فلا تواخذني بما تملك ولا أملك يعني المحبة لأن عائشة كانت أحب نسائه إليه وقيل: أن العدل بينهن أمر يصعب بالغ من الصعوبة جدا يوهم أنه غير مستطاع لأنه يجب أن يسوي بينهن في القسمة والنفقة والتعمد والنظر ولا قبال للموانسة والمفاكهة وغيرها فهو كالخارج من حد الاستطاعة في هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن ومذهب آبائنا عليهم السلام أن الرجل إذا قام بما يجب عليه من النفقة والكسوة وحسن العشرة لا يجب عليه التسوية إلا في الأيام والليالي ولو وجب التعديل فيما عدا ذلك من المحبة والوطء والنظر، لأدى إلى تكليف مالا يستطاع، وفيه نفي بقوله {لن تستطيعوا ولو حرصتم} أي: اجتهدتم في التعديل {فلا تميلوا كيل الميل} أي: لا يجوز على المكروهة كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها ومعناه أن اجتناب كل الميل مما هو ممكن فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله وفيه ضرب من التوبيخ، {فتذروها كالمعلقة} وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة وفي قراءة أبي فتذروها كالمسجونة وفي الحديث: ((من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل)) وعن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه ولعل المراد يظهر العدل، لأن كتمان التفضيل بما لا يجب فيه وتسوية يستحب تجنبا للإيحاش وكان لمعاذ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد {وإن تصلحوا} ما مضى من ميلكم وتداركوه بالتوبة {وتتقوا} فيما يستقبل {فإن الله كان غفورا رحيما} عادته الغفران لعباده والرحمة لهم.
صفحه ۵۰۶