577

و " أو " موضوعة للشك، وهو مستحيل في جانب من يعلم الخفايا كالظواهر، وإنما روعي المخاطبون وما هم به أحرياء من الشك في مدى قسوة أولئك المعنيين، هل هي كقسوة الحجارة - التي اشتهرت بشدة القسوة في أوساط الناس، خصوصا في جزيرة العرب حيث تنزل القرآن، لما فيها من الجبال الغليظة ذات الصخور الصلدة - أو أشد منها كالأجسام المتلاحمة ذراتها كالحديد؟ وقيل: إن " أو " للإضراب كما هي في قوله تعالى:

وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون

[الصافات: 147]، أي بل يزيدون، وعليه فإن قلوب هؤلاء جديرة بتشبيهها بما هو أقسى من الحجارة، وإنما ذكرت الحجارة في التشيبه لمعرفة الناس بها، وكونها عندهم مثلا في الغلظة.

وقيل هي معنى الواو نحو قوله تعالى:

ولا تطع منهم آثما أو كفورا

[الانسان: 24]، أي وكفورا، لأن الكفور لا يكون إلا آثما، وقيل هي للتخيير نحو قوله تعالى:

أو كسوتهم أو تحرير رقبة

[المائدة: 89]، ومقتضى هذا التخيير أن السامع مخير بين تشبيه قسوتهم بالحجارة وتشبيهها بما هو أغلظ منها، وقيل: هي للتنويع، فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أقسى منها لأن القساة متفاوتون في إظلام عقولهم، وغلظة أحاسيسهم، وتعنتهم على الحق، ومقاومتهم لأهله، وسائر أوصاف الشر، كما أن ذوي العقول النيرة والمشاعر الرقيقة متفاوتون أيضا في أوصاف الخير، وهو رأي سائغ.

وبعد هذا التأكيد على تفوق قلوبهم في القسوة ذكر سبحانه وتعالى ما للحجارة من مزايا خيرية ليست في هذه القلوب ليكون في ذلك دليل على التفاوت بين قلوبهم المشبهة والحجارة المشبهة بها وتفوق قلوبهم في وجه الشبه وهو القسوة، وصدور ذلك بإن التوكيدية المفيدة لأهمية خبرها والمؤذنة بالتعليل.

ومن لطائف التعبير اتباع أداة التأكيد المصدر بها بمن المفيدة للتبعيض للإيذان بأن الأحجار ليست كلها مشتركة في هذه المزية، وإنما هي لنوع خاص منها، وهو ما يفيده علم طبقات الأرض الحديث، وخلاصته: (أن مياه الأمطار النازلة على الأرض تتخللها تدريجيا حسبما تقتضيه سنة الجاذبية في النزول إلى الأسفل، فإذا تكاثر تصاعد إما لضغط ثقله عليه أو لضغوط أهوية الأرض، ولا تقف في وجه تصاعده الطبقات الترابية لعجزها عن مقاومته فإن من شأن التراب أن يتخلله الماء، ولكن تعترضه الطبقات الصخرية فتمنعه من تصاعده إلا إن كانت هذ الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماء مختلطا بأجزاء من معدن الحامض الفحمي الذي له خاصية تحليل الكلس، ففي هذه الحالة تتشقق تلك الصخور فيخرج منها لماء نابعا كالعيون، وإذا اجتمعت هذه العيون في موضع نشأت عنها الأنهار الكبيرة، وأما غير الصخور الكلسية فلا يفتتها الماء إلا إذا اقترن بعوامل أخرى كالزلازل).

صفحه نامشخص