جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ومحل الاستنكار والتوبيخ في الآية هو نسيان أنفسهم مما يأمرون به غيرهم، وليس أمرهم الناس بالبر وإنما مثلها قول القائل: أتعرف الله وتعصيه؟ أو أتصوم ولا تصلي؟ فإن الإنكار واقع على المعصية، وترك الصلاة دون معرفة الله والصوم. وقد أجاد ابن عاشور في قوله:
" ليس المقصود نهي ولا تحريم، ويدل لذلك أنه قال في تذييلها { أفلا تعقلون } ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه ".
وإنما كانت هذه الحالة فظيعة - وان كان إهمال الإنسان نفسه من عمل البر مذموما ولو لم يأمر به غيره - لأن أمر غيره به دليل انتباهه له ومعرفته بجدواه، ويلام العالم ما لا يلام الجاهل ويعنف الذاكر ما لا يعنف الغافل، وبهذا يتضح لك أن الواو في " وتنسون أنفسكم " للحال، كما يتضح لك بعد تجويز ابن عاشور أن تكون عاطفة وأن يكون معطوفها - وهو " تنسون أنفسكم " - هو المقصود من التوبيخ والتعجيب، والمعطوف عليه - وهو { أتأمرون الناس } - تمهيدا لها على معنى أن محل الفظاعة الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين.
وإذا كان محط الإنكار والتعجيب قوله: { وتنسون أنفسكم } فإن في قوله: { وأنتم تتلون الكتاب } إضافة توبيخ الى توبيخ لأن الجدير بمن تلا كتاب الله فميز بنوره بين الحق والباطل، والرشد والضلال، أن يكون أسرع إلى الإستفادة بما فيه من خير، والاستنارة بما يحويه من الهدى، وذلك باتباع أوامره، والكف عن زواجره، والوقوف عند الحدود التي رسمها.
والتلاوة القراءة مأخوذة من تلا يتلو تلوا بمعنى تبع، وذلك أن التالي للكتاب يتبع آخره إثر أوله حتى يأتي على حروفه وكلماته فيستجمع ما فيه من المعاني، والمراد بالكتاب هنا التوراة التي حملوها فلم يحملوها، أي لم يأتمروا بأمرها، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، ومن عدم إتمارهم بما فيها إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ما يتلونه في الكتاب من نعوته وأخباره.
وفي هذا التوبيخ تنبيه إلى أن التلاوة اللسانية إن لم يصحبها التأثير النفسي الذي يصدر عنه العمل بموجب ما يتلى ليست من ورائها جدوى إذ كل ما أنزله الله من كتاب إنما أنزله ليكون هدى للناس يقتادهم إلى صراط الله العزيز الحميد، فقراء القرآن من هذه الأمة الذين يقتصرون في تلاوتهم على تحسين الأنغام وتجويد الحروف - مع نسيانهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وإرشاداته - مندرجون فيمن يصدق عليهم هذا التقريع والإنكار.
وقوله: { أفلا تعقلون } تقريع آخر لأن من شأن العقل تبصرة صاحبه بما ينفع وما يضر، وما يحمد وما يذم، والعاقل يشفق على نفسه من كل ما يرديها فلا ينساها مما يأمر به غيرها من الصلاح والرشاد.
وأصل العقل الحبس، ومنه عقال البعير لأنه يعقله - أي يحبسه - عن الإنطلاق، وسمي به هذا النور الروحاني الذي أودعه الله في الإنسان فرفع به قدره، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا لأنه يعقل صاحبه عما فيه مضرته الحسية والمعنوية، ولولاه لكان الإنسان - لطغيان شهواته وتأجج غرائزه - أسوأ من السباع الفتاكة، وإنما جعله الله قيدا لما في الإنسان من طبائع مردية وقوى ذات خطر على صاحبها وعلى جنسه، فإذا ما استخدم العقل تحولت هذه الطبائع والقوى من الضر إلى النفع، ومن التدمير إلى التعمير، والنفس الإنسانية ذات مطامح شتى، فهي تطمح بطبعها الى وفرة المال، وقوة السطان والعلو على الغير، فلولا كفكفة العقل لها لسعت في الأرض فسادا، وأهلكت الحرث والنسل لأجل إشباع رغبتها وتوفير مطالبها، فإن العاقل عندما يحس بما يترتب على إيثار هوى النفس من مخاطر شخصية واجتماعية، وعواقب سيئة دنيوية وأخروية يركن إلى السلامة، ويميل إلى الموادعة.
وقد كان لهؤلاء المخاطبين من العقل ما يمكنهم به زجر أنفسهم عن الهوى، وردعها عن الفساد، غير أن عقولهم لم تقترن بتوفيق الله فآثروا ما يظنونه مصلحة ويتوهمونه منفعة على أوامر الله تعالى مع قيام حجة الحق عليهم بما أودعوه من عقل وأوتوه من كتاب، ولو لم تكن لهم عقول لما كان لتكليفهم معنى، ولا للإنكار عليهم موضع فإن خطاب الله مرفوع عن غير العقلاء.
أما ما حكاه الله عن أهل النار من قولهم:
صفحه نامشخص