جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين
[الأعراف: 20] وإنما حكى الله تارة خطابه لهما معا، وتارة خطابه لآدم وحده لأن حواء تبع له كما سبق.
هذا وقد بين الله لهما عاقبة مخالفتهما أمره بقربهما من تلك الشجرة التي نهيا عنها حيث قال لهما: { فتكونا من الظالمين } وأصل الظلم وضع الشيء في غر موضعه، ومنه استحسان ما ليس بمستحسن، وقد استحسنا الأكل من تلك الشجرة بتزيين إبليس لهما ذلك مع ما فيه من مخالفة أمر الله.
وإطلاق الظلم على فعلهما لا يستلزم أن يكون من الكبائر لمنافاة ذلك عصمة النبوة، وللعلم بأنهما لم يأتيا ما أتياه لأجل الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى، وإنما كان ذلك إما نسيانا وإما خطأ كما سيأتي قريبا إن شاء الله، وليس تهويل هذه المخالفة إلا لعلو قدرهما وعظم شأنهما، وما أحسن قول من قال: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ، ومن هذا الباب مضاعفة الوعيد بالعذاب لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن في قوله تعالى؛
ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[الأحزاب: 30] مع قوله:
ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن
[الأحزاب: 32]، فلا غرابة في إطلاق اسم الظلم على صنيع صفي الله آدم عليه السلام وإن كان بالنسبة إلى غير صغيرا.
[2.36-37]
يحكي الله لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما قصة مرحلة انتقالية مر بها أبو البشر عليه السلام وقد كابد منها المشقة وتجرع الغصص، وعانى عنتها ولا تزال ذريته تعاني من هذا العنت، ومرد ذلك كله إلى الخروج عن حدود أمر الله بتزيين الشيطان، وقد نتج عن ذلك انتقاله من مقر الطمأنينة والراحة إلى محل الاضطراب والتعب، وإذا كان عليه السلام استقبل الحياة على هذه الأرض التي هي مقر خلافته بهذه المحنة القاسية والملمة الفادحة، فإن لنا في ذلك دليلا وأي دليل على أن حياتنا على الأرض ليست حياة نعيم وهناء وراحة واستقرار، وإنما هي حياة مصائب ومتاعب، وجهد وبلاء، والشواهد على ذلك قائمة من طبيعة الحياة نفسها، فهي لا تكاد تحلو حتى تمر، ولا تزهر حتى تذبل، ولا تقبل حتى تدبر، ولا تمنح حتى تسلب.
صفحه نامشخص