340

وأصحاب القولين الأخيرين يرون أن الآية الكريمة لم ترد لتشريع حكم، وإنما نزلت للإمتنان وبيان تكريم الله تعالى للإنسان، وأنت تدري أن الإمتنان بما تعود مغبته بالمضرة على الممتن عليه لا يكون من الحكيم تعالى، لأن عقوبة الحرام لا يوازيها الإنتفاع به.

واستدل فريق من العلماء بالآية على تحريم أكل الطين لأن الله لم يقل أنه خلق لنا الأرض، بل قال: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض } وهو استدلال في منتهى السفسطة، فإن الخلق ليس هو لأجل الانتفاع بالأكل فقط، وإنما هو لأجل المنافع المتنوعة، فمن المخلوقات ما يكون صالحا للأكل، ومنها ما يكون صالحا للبس، ومنها ما يكون صالحا للتداوي، ومنها ما يكون صالحا للركوب، ومنها ما يصلح للبناء به، إلى غير ذلك من المنافع المتنوعة التي لا يكاد الإنسان يحصيها، ولو كانت المنافع محصورة في الأكل لما كانت نعمة في اللباس، ولا في الافتراش ولا في غيرهما، وهل يبني الناس مساكنهم، ويغرسون بساتينهم، ويحرثون زروعهم إلا على ظهر الأرض؟ أوليس في ذلك كله نعمة بها على الإنسان؟ وأعظم منه تهيئة الأرض لأن تكون قرارا للناس. والعجب من هؤلاء كيف يتصاممون ويتعامون عن قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا }؟ وقد يكون الشيء نافعا في أمر ضارا في غيره؛ فتحل منفعته وتحرم مضرته، ويكفي من منفعة الطين كونه مادة البناء غالبا في كل العصور، أما تحريم أكله فهو بدلائل أخرى، وقد رويت فيه أحاديث، ومضرته كافية في التحريم.

وجوز الزمخشري أن يكون المراد بالأرض الجهة السفلية كما تطلق السماء على الجهة العلوية، فتدخل الكرة الأرضية نفسها فيما خلق للناس، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، وصاحب المنار، واستبعده ابن عاشور من وجهين:

أحدهما: أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازا كما قال الشاعر:

الناس أرض بكل أرض

وأنت من فوقهم سماء

أما السماء فقد أطلقت على كل ما علا فأظل، والفرق بينهما أن الأرض شيء مشاهد، والسماء لا يتعقل إلا بكونه شيئا مرتفعا.

ثانيهما: لو سلم هذا القياس فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا نفسها حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى، وإنما تطلق السماء على شيء عال.

والذي دعاهم إلى هذا التأويل حرصهم على اعتبار الأرض مما خلق للناس، وأنتم تدرون أن ما فيها كله إذا كان مخلوقا لهم فأحرى أن تكون الأرض كذلك لأن المظروف لا يستقل عن ظرفه، وفي هذا غنى عن قول من قال إن كل جزء من الأرض هو معدود مما فيها، فتكون ذات الأرض داخلة في عموم " ما " ، وقول آخرين: " إن الامتنان بخلق الأرض سابق في قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا } ، والامتنان هنا إنما هو بخلق محتوياتها من منافع الناس فيها.

والتعبير بما في الأرض يصدق على ما كان فوقها من الأشجار والتراب والأحجار والبحار والأنهار، وعلى ما كان داخل بطنها سواء كان من الجوامد كأنواع المعادن، أو من السوائل كالنفط، كما تدخل في ذلك أنواع الغاز، فهي جميعها مخلوقة لمنافع البشر، ومهيأة للانتفاع بها.

صفحه نامشخص