وروى عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الاعمش، عن زيد بن وهب قال: " أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عساسا (١) أخرجت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من سحاب فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لاثم " (٢) .
وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أفطرنا يوما من رمضان، في غيم، على عهد رسول الله ﷺ، ثم طلعت الشمس.
قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين:
(الاول): يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم النبي ﷺ، والصحابة - مع نبيهم - أعلم وأطوع لله ولرسوله، ممن جاء بعدهم.
(والثاني): يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.
وأماما يبطله ويوجب القضاء، والكفارة، فهو الجماع، لاغير، عند الجمهور.
فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان.
فقال: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين "؟ قال: لا.
قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا "؟ قال: لا.
قال: ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق (٣) فيه تمر، فقال: " تصدق بهذا ".
قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها (٤)
(١) " عساسا " أي أقداحا ضخاما، قيل: إن القدح نحو ثمانية أرطال.
(٢) " ما تجانفنا " التجانف: الميل. أي لم نمل لارتكاب الاثم.
(٣) " العرق " مكيال يسع ١٥ صاعا.
(٤) " لابتيها " جمع لابة. وهي الارض التي فيها حجارة سود. والمراد ما بين أطراف المدينة أفقر منا.