نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز
نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز
ویرایشگر
شاكر محمد محمود الزيباري (باحث عراقي)
وقد روى ابن مردويه في تفسيره من رواية يزيد الرقاشي، عن النبي ﷺ قال: " ما من مؤمن إلا له بابان في السماء، باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] (^١)
فعلى ظاهر الآية والحديث يكون ذلك البكاء على الميّت ولا عذاب عليه بسببه إجماعًا.
وقال الزمخشري: ذلك على سبيل التمثيل والتخييل، وكذلك ما يروى عن ابن عباس ﵄، من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل، ونفي ذلك عنهم في قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض، فإنّه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلّمت له الشمس.
وعن الحسن: فما بكي عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض، وما كانوا منظرين لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا (^٢).
ثم إن قول ابن عمر ﵄ "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" مطلق سواء كان بنوح أو لا، لكن في بعض طرق حديث ابن عمر ﵄، في "مصنف" ابن أبي شيبة: "من نيح عليه فإنّه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" (^٣)، فيحمل المطلق على المقيد فيكون البكاء الذي يكون سببًا لتعذيب الميت، هو البكاء الذي يكون بنوح ونحوه، كما أشار إليه البخاري في الترجمة.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَدْ كَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا
(^١) سنن الترمذي، أبواب تفسير القران، باب: ومن سورة الدخان (٥/ ٣٨٠)، (٣٢٥٥). وقال «هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث»
(^٢) تفسير الزمخشري (٤/ ٢٧٨).
(^٣) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، في النياحة على الميت وما جاء فيه (٣/ ٦٠)، (١٢٠٩٩) من طريق وكيع، عن سعيد بن عبيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن ابن عمر. ورواه أحمد في مسنده (٩/ ٢٠١) (٥٢٦٢) من طريق: وكيع، بهذا الإسناد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
1 / 458