382

ومما عابه الناس علينا كثرة الرفق والرأفة بالخلق في ابتداء الأمر، ونحن نعلمكم أيها المسلمون أنا قائمون مقام رسول الله ومستنون بسنته، ومقتفون لآثاره، ووجدناه -صلى الله عليه وآله- بدأ في دعائه إلى الدين باللطف واللين ومدحه الله تعالى بذلك فقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم}[آل عمران: 159] وقال سبحانه وتعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}[القلم:4]، وقال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن}، وقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}[فصلت:3435]، وقال تعالى لنبيه موسى وهارون -عليهم السلام- في خطاب فرعون لعنه الله: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}[طه: 44]، وقد علم تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن ذلك منه تعالى إبلاغ في المعذرة، وإيجاب للحجة، فواعجبا لأهل الوقت، يريدون التحكم علينا في التقديم والتأخير، وذلك إلينا دونهم،ويريدون اتباعهم في آرائهم، والنزول على أحكامهم وأهوائهم، وذلك يناقض ما له قمنا{ولو اتبع الحق[474]أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}[المؤمنون: 71] {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}[الأحزاب:36]{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق:37]. والآن فقد عرفنا أحوال الناس العام منهم والخاص، وقد صرنا بحمد الله فيهم على بصيرة، وهانحن منقلبون عقيب كتابنا هذا إن شاء الله تعالى في جموع يضيق بها واسع الفضاء، ويسير بينها نازل القضاء، ويسحب ذيل الأرض بمثار نقعها على السماء فنمضي بها الاحكام، ونطمس الآثام، ونميز بين الحلال والحرام، ونرفع رؤوس الأولياء، ونقمع رؤوس العداة الأشقياء، ونمضي في أمرنا قدما إن شاء الله تعالى بعد البصيرة في معرفة أحوال الناس وزوال الشك في ذلك والالتباس، وبعد الإعذار إليهم بوصولنا أولا، وإيجاب الحجة وهذا أوان الفتح القريب. ونقول: حسبنا الله ونعم الحسيب، {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}[سبأ:46] ملاحظة {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون}[النمل:37]{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[يوسف:21].

ثم قلتم أيدكم الله: مع أنه قد سنح في معرض الغفلة عتب يجري فيه التأويل في المساواة بين كثير المال والقليل، فما سد شيئا من الثغور ولا أصلح أمرا من الأمور فإن وقع التمكن من حصن بيع بثمن وليس الغرض بالحصون إلا إحياء معالم الكتاب والسنن ولم نسلك إلا إستقصاء الذي سمعناه من غيرنا، إلى آخر ما ذكرتموه أعزكم الله في هذا الباب.

صفحه ۴۸۰