456

التوضيح في حل غوامض التنقيح

التوضيح في حل غوامض التنقيح

ویرایشگر

زكريا عميرات

ناشر

دار الكتب العلمية

سال انتشار

۱۴۱۶ ه.ق

محل انتشار

بيروت

وأما العوارض المكتسبة فهي إما من نفسه وإما من غيره أما الأول فمنها الجهل وهو إما جهل لا يصلح عذرا كجهل الكافر لأنه مكابرة بعدما وضح الدليل فديانة الكافر أي اعتقاده في حكم لا يحتمل التبدل كعبادة الصنم مثلا باطلة فلا يكون للكفر حكم الصحة أصلا بخلاف الأحكام القابلة للتبدل كبيع الخمر مثلا فإنه يصح منهم وأما في حكم يحتمله فدافعة للتعرض لهم فقط عند الشافعي رحمه الله تعالى أي ديانته دافعة للتعرض لهم لقوله عليه الصلاة والسلام اتركوهم وما يدينون فلا يحد الذمي بشرب الخمر وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى هي دافعة له أي للتعرض ولدليل الشرع في أحكام الدنيا استدراجا ومكرا وزيادة لإثمهم وعذابهم كأن الخطاب لم يتناولهم فيها أي في أحكام الدنيا اعلم أن الاستدراج تقريب الله تعالى العبد إلى العقوبة بالتدريج فتكون ديانتهم دافعة لدليل الشرع في أحكام الدنيا فيوهم تخفيفا لكنه تغليظ في الحقيقة كما بينا في فصل خطاب الكفار بالشرائع أن الطبيب يعرض عن مداواة العليل عند اليأس وصورة التخفيف والإمهال توقعهم في زيادة ارتكاب المعاصي وفي توهم الإهمال كما نطق به الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام أمهلناهم فظنوا أننا أهملناهم وكما قال الله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين وقال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين وقال نوله ما تولى الآية فيثبت عنده أي عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى تقوم الخمر والضمان بإتلافها وجواز البيع ونحوها وصحة نكاح المحارم حتى إن وطئ فيه أي في نكاح المحارم ثم أسلم يكون محصنا فإن العفة عن الزنا شرط لإحصان القذف فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن وطأه في هذا النكاح لا يكون زنا فيحد قاذفه وتجب به النفقة أي بنكاح المحارم ولا يفسخ أي نكاح المحارم ما دام الزوجان كافرين إلا أن يترافعا ثم أقام الدليل على ثبوت تقوم الخمر في حقهم وثبوت الإحصان بنكاح المحارم بقوله لأن تقوم المال وإحصان النفس من باب العصمة وهي الحفظ فيكون في ثبوتهما الحفظ عن التعرض تقريره أن ديانتهم تصلح دافعة للتعرض اتفاقا ودافعة لدليل الشرع في أحكام الدنيا أي في الأحكام التي تصلح ديانتهم دافعة لها لا يتناولهم دليل الشرع في تلك الأحكام عندنا فإذا عرفت هذا فتقوم الخمر وإحصان النفس من باب دفع التعرض لا من باب التعدي إلى الغير فيثبتان ولا يلزم الربا لأنهم قد نهوا عنه هذا جواب إشكال على أن ديانتهم معتبرة في ترك التعرض فإنه يجب أن يتركوا على ديانتهم في باب الربا أيضا فأجاب بأن معتقدهم في الربا ليس هو الحل لقوله تعالى وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وقد خطر ببالي على هذا الجواب نظر وهو أن قوله ديانتهم دافعة للتعرض اتفاقا ودليل الشرع لا يراد به أن ديانتهم الصحيحة دافعة لهما فإن ديانة الكافر لا تكون صحيحة بل المراد أن معتقدهم وإن كان باطلا دافع كنكاح المحارم مثلا فإنه لا يحل في شريعة من الشرائع لأن حله كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام للضرورة ثم نسخ في شريعة نوح عليه الصلاة والسلام فارتكاب المجوس ذلك وارتكاب أهل الكتاب الربا سيان والفرق بينهما صعب جدا ويمكن أن يقال حرمة الربا مذكورة في التوراة فارتكابهم ذلك يكون بطريق الفسق وحرمة نكاح المحارم غير مذكورة في كتب المجوس ولا يمكن لنا إلزامهم بما في كتبنا فافترقا فإن قيل ديانتهم ليست حجة متعدية إجماعا فلا توجب ضمان الخمر وحد القذف والنفقة كما في مجوسي غلب بنتين إحداهما لا ترث بالزوجية اعلم أن الحكم في المقيس عدم وجوب الضمان وعدم وجوب حد القذف وعدم وجوب النفقة والحكم في المقيس عليه عدم الإرث فالحكمان مختلفان في الأصل والفرع لكنهما مندرجان تحت حكم واحد هو بمنزلة الجنس لهما وهو أن ديانتهم غير متعدية قلنا يثبت بديانتهم بقاء تقوم الخمر على ما كان فليس فيه إلا دفع دليل الشرع ثم هو أي التقوم شرط للضمان لا علته وكذا الإحصان أي إحصان المقذوف شرط لوجوب الحد على القاذف فلا يكون في إثباتهما أي في إثبات التقوم والإحصان إثبات الضمان والحد بل الضمان والحد إنما يثبتان بإتلاف الخمر وبالقذف وإنما يلزم القول بتعدي دياتهم لو أثبتنا الضمان والحد باعتقادهم التقوم والإحصان ولم نفعل كذلك وأما النفقة فإنما تجب دفعها للهلاك فتكون دافعة لا متعدية ولأنهما لما تناكحا دانا بصحته فيؤخذ الزوج بديانته ولا كذلك من ليس في نكاحهما كالوارث الآخر لأن تقوم المال وإحصان النفس من باب العصمة وهي الحفظ فيكون في ثبوتهما الحفظ عن التعرض ولا يلزم الربا لأن هم قد نهوا عنه جواب عن القياس المذكور وهو قوله كما في مجوسي وتقريره أن في إرث البنت التي هي زوجته ضررا بالوارث الآخر أي البنت التي هي ليست زوجته فتكون متعدية هنا وأما عندهما فكذلك اعلم أما ما ذكر هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأما على قولهما فكذلك أيضا أي ديانتهم دافعة للتعرض ولدليل الشرع في أحكام الدنيا إلا أن نكاح المحارم ليس حكما أصليا بخلاف تقوم الخمر بل كان ضروريا إذ في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام لم يحل نكاح الأخت من بطن واحد أي نكاح المحارم كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام حكما ضروريا إذ لولا جوازه في ذلك العهد لا يحصل النسل أصلا والدليل على هذا أن نكاح الأخت من بطن واحد لم يكن جائزا في شريعة آدم عليه السلام وكانت السنة الإلهية في ذلك الزمان ولادة ذكر مع أنثى من بطن واحد والمشروع أن يتزوج كل أنثى ذكر من بطن آخر فكان النكاح بين التوأمين حرام ولا شك أن التوأمين مخلوقان من ماء اندفق دفعة واحدة والولدان من بطنين مخلوقان من ماءين اندفقا دفعتين فالأخت من بطن واحد أقرب من أخت لا تكون كذلك ولما كانت الضرورة تنقضي بالبعد لم تحل القربى فعلم أن الأصل في نكاح المحارم الحرمة وقد ثبت الحل بالضرورة فلما ارتفعت الضرورة بكثرة النسل نسخ حل الأخوات فعلى تقدير كون ديانتهم دافعة لدليل الشرع لا يثبت لهم حل نكاح المحارم إذ بعد قصر دليل الشرع عنهم يبقى الحكم على ما كان وهو الحرمة في نكاح المحارم بخلاف الخمر إذ بعد قصر دليلنا عنهم يبقى الحكم على ما كان وهو الحل وإذا ثبت هذا فنكاح المحارم لا يكون مثبتا للإحصان ولا يحد قاذف من نكح المحارم ووطئ ثم أسلم وأيضا حد القذف يندرئ بالشبهة أي سلمنا أن هذا النكاح صحيح في حقهم لكن شبهة عدم الصحة ثابتة في حقهم فيندرئ حد القذف بها فقوله وأيضا عطف على قوله أن نكاح المحارم إلخ وكل واحد من المعطوف والمعطوف عليه دليل على عدم وجوب الحد على قاذف من نكح المحارم ووطئ ثم أسلم فلهذا المعنى قال وأيضا ولا تجب النفقة أيضا عطف على الحكم المفهوم من الدليلين المذكورين ونعني بالحكم المفهوم عدم وجوب حد القذف أما على الدليل الأول فظاهر وهو أن حل نكاح المحارم ليس حكما أصليا وذلك لأن الدليل الأول يوجب بطلان النكاح فلا تجب النفقة وأما على الثاني وهو أن حد القذف يندرئ بالشبهة فالنكاح وإن صح لكن النفقة صلة مبتدأة فلا تجب كالميراث إذ لو وجبت تصير الديانة متعدية فالحاصل أن المراد بالشبهة لدرء حد القذف شبهة عدم صحة النكاح فهذا الدليل مشعر بتسليم صحة نكاح المحارم وكونها حكما أصليا في حقهم والجواب أي جواب أبي حنيفة رحمه الله تعالى في النفقة أنها لدفع الهلاك فإيجاب النفقة بناء على ديانتهم لا يكون قولا بأن ديانتهم متعدية بل ديانتهم دافعة وذلك لأن الزوج حابس للزوجة فإن حبسها بلا نفقة يكون متعرضا لها بالإهلاك فإيجاب النفقة دفع لهذا التعرض ثم ورد على هذا أن إيجاب النفقة ليس لدفع الهلاك بدليل وجوبها مع غنى المرأة فأجاب بقوله وغناها لا يدفع الحاجة الدائمة بدوام الحبس وأما جهل كما ذكرنا أي لا يصلح عذرا وهو عطف على قوله وأما جهل لا يصلح عذرا لكنه دونه أي دون الجهل الأول كجهل صاحب الهوى في صفات الله تعالى وأحكام الآخرة لأنه مخالف للدليل الواضح لكنه لما كان مؤولا للقرآن كان دون الأول ولما كان مسلما لزمنا مناظرته وإلزامه فلا يترك على ديانته فلزمه جميع أحكام الشرع وكجهل الباغي فيضمن بإتلاف مال العادل أو نفسه إلا أن يكون له منعة فتسقط ولاية الإلزام وتجب علينا محاربته ولم يحرم الميراث بقتله لأن الإسلام جامع أي بيننا وبين الباغي فيكون سبب الإرث موجودا والقتل حق فلا يكون مانعا من الإرث وكذا إن قتل عادلا أي لا يحرم الباغي الإرث إن قتل عادلا لأنه حق في زعمه وولايتنا منقطعة عنه ولما كان الدار واحدة والديانة مختلفة تثبت العصمة من وجه فلا نملك ماله لكن لا نضمن بالإتلاف كما في غصب مال غير متقوم فإن الغاصب لا يملكه حتى يجب عليه رده وأما إذا أتلف لا يجب عليه الضمان وإنما لم يعكس لأن القول بأنه يملك ماله مع القول بأنه يملك ماله مع التناقض وكجهل من خالف في اجتهاده الكتاب كمتروك التسمية عمدا فإن فيه مخالفة قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه والقضاء بالشاهد واليمين أي يمين المدعي فإن فيه مخالفة قوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان أو السنة المشهورة كالتحليل بدون الوطء على مذهب سعيد بن المسيب فإن فيه مخالفة حديث العسيلة والقصاص في مسألة القسامة فإنه إن وجد لوث أي علامة القتل استحلف الأولياء خمسين يمينا عمدا كانت الدعوى أو خطأ وهذا عند الشافعي رحمه الله تعالى وأما عند مالك رحمه الله يقضى بالقود إن كانت الدعوى في العمد وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى وفيه خلاف قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعي واليمين على من أنكر وهذا وحديث العسيلة من المشاهير أو الإجماع كبيع أم الولد فإن إجماع الصحابة انعقد على بطلانه حتى لا ينفذ قضاء القاضي فيه متعلق بأول البحث وهو أن الجهل ليس بعذر حتى إن قضى القاضي في هذه المسائل لا ينفذ قضاؤه لكونه مخالفا للكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع وأما جهل يصلح شبهة عطف على النوعين المذكورين في الجهل كالجهل في موضع الاجتهاد الصحيح أي غير مخالف للكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع أو في موضع الشبهة كمن صلى الظهر بلا وضوء ثم العصر به أي بالوضوء زاعما صحة ظهره ثم تذكر أنه صلى الظهر بلا وضوء ثم قضى الظهر بناء على هذا التذكر ثم صلى المغرب على ظن أن العصر جائز بناء على جهله بفرضية الترتيب يصح المغرب لأن الترتيب مجتهد فيه فلا يضر جهله فلا تجب عليه إعادة المغرب كما يجب قضاء العصر عندنا لأنه أداه زاعما صحة ظهره وهذا زعم بخلاف الإجماع وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يجب قضاء العصر لعدم فرضية الترتيب عنده هذا إذا كان يزعم وقت أداء المغرب أن عصره جائز أما لو علم وقت أداء المغرب أن عصره لم يجز كان عليه إعادة المغرب كما يجب قضاء العصر وإن لم يقض الظهر وصلى العصر بناء على ظن أن الظهر جائز أي صلى الظهر بلا وضوء ثم العصر بوضوء زاعما صحة الظهر ولم يقض الظهر بناء على أنه غير عالم بعدم الوضوء فإن من صلى صلاة بغير وضوء جاهلا أن لا وضوء له ثم توضأ وصلى فرضا آخر ثم تذكر أنه كان على غير وضوء فالفرض الثاني غير صحيح في ظاهر الرواية خلافا لحسن بن زياد فإن عنده إنما يجب رعاية الترتيب على من يعلمه وأيضا فيه خلاف زفر رحمه الله فإنه يقول إذا كان عنده أن الفرض الأول يجزيه فهو في معنى الناسي للفائتة فيجزيه الفرض الثاني لم يصح العصر أي صلى الظهر بلا وضوء ثم العصر بوضوء زاعما صحة الظهر ولم يقض الظهر لم يصح العصر لأن زعمه مخالف للإجماع والمسألة المستشهد بها هي الأولى لا الثانية وإذا عفا أحد الوليين ثم اقتص الآخر على ظن أن القصاص لكل واحد على الكمال فلا قصاص عليه لأنه موضع الاجتهاد فإن عند البعض لا يسقط القصاص فصار هذا شبهة في درء القصاص عن قاتل القاتل وكذا المحتجم إذا ظن أنه أفطر فأكل عمدا فلا كفارة عليه لأن قوله عليه الصلاة والسلام أفطر الحاجم والمحجوم صار شبهة في درء الكفارة إذ هذه الكفارة مما يندرئ بالشبهة وكذا القصاص في المسألة السابقة ومن زنى بجارية امرأته أو والده بظن أنها تحل له لا يحد لأنه موضع الاشتباه فتصير شبهة في درء الحد حتى يندرئ الحد بهذه الشبهة إلا في النسب والعدة أي لا يثبت النسب والعدة بهذه الشبهة وإن كانا يثبتان بالوطء بشبهة

وكذا حربي أسلم فدخل دارنا فشرب خمرا جاهلا بالحرمة أي لا يحد لأن جهله يكون شبهة لا إن زنى هو أي زنى حربي أسلم حيث يحد لأن جهله في حرمة الزنا لا يكون شبهة لأن الزنا حرام في جميع الأديان أو شرب ذمي أسلم أي يجب الحد لأن حرمة الخمر شائعة في دار الإسلام والذمي ساكن فيها فلا يعذر بالجهل بحرمة الخمر فلا يصير شبهة في درء الحد وأما جهل يصلح عذرا هذا هو النوع @ 389

صفحه ۳۸۸