939

سراج منیر

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

ناشر

مطبعة بولاق (الأميرية)

ویراست

الأولى

محل انتشار

القاهرة

•
مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة؟ أجيب: بأنّ أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين وبأنّ بعضهم قال: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات﴾ (آل الأعراف، ٢٤)
فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة. ولما بين ﷾ أنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، والإنسان قد يقدم على ما لا فائدة فيه بينه بقوله تعالى:
﴿ويدع الإنسان بالشرّ﴾ عند ضجره على نفسه وأهله وماله ﴿دعاءه﴾ أي: مثل دعائه ﴿بالخير﴾ ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. روي أنه ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرًا فأقبل يئنّ في الليل فقالت له: ما لك؟ فبكى وشكا فرحمته فأرخت كتافه فهرب، فلما أصبح النبيّ ﷺ دعا به فأعلم بشأنه فقال ﷺ «اللهمّ اقطع يدها فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله تعالى يدها، فندم النبيّ ﷺ وقال: اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له وقيل المراد النضر بن الحرث حيث قال: اللهمّ انصر خيرالحزبين اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه وضربت رقبته يوم بدر صبرًا. وكان بعضهم يقول: ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ (العنكبوت، ٢٩)
وآخرون يقولون: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ (يونس، ٤٨)
وإنما فعلوا ذلك للجهل ولاعتقاد أنّ محمدًا كاذب فيما يقول، وقيل المراد أنّ الإنسان قد يبالغ في الدعاء طالبًا لشيء قد يعتقد أنّ خيره فيه مع أنّ ذلك الشيء منبع لشرّه وضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء وإنما يقدّم على مثل هذا العمل لكونه عجولًا مغترًّا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها، كما قال تعالى: ﴿وكان الإنسان﴾ أي: الجنس ﴿عجولًا﴾ أي: يسارع إلى كل ما يخطر بباله ولا ينظر إلى عاقبته وقيل المراد آدم ﵇ لما انتهى الروح إلى سرّته ذهب لينهض فسقط. تنبيه: حذفت واو ويدع أي: التي هي لام الفعل خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفها لفظًا في العربية لكنها لما كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط، ونظيره قوله تعالى: ﴿سندع الزبانية﴾ (العلق، ١٨)
و﴿سوف يؤت الله المؤمنين﴾ (النساء، ١٤٦)
و﴿يوم يناد المنادي﴾ (ق، ٤١)
﴿فما تغن النذر﴾ (القمر، ٥)
. قال الفراء: ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صوابًا. وقال الرازي: أقول هذا يدل على أنه ﷾ قد عظم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإنّ إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتها في هذه المواضع المعدودة يدل على أنّ هذا القرآن نقل كما سمع وأن أحدًا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوّة عقله. ولما بيّن تعالى ما أوصل من نعم الدين وهو القرآن أتبعه بما وصل إليهم من نعم الدنيا فقال:
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ دالتين على تمام العلم وشمول القدرة آية الليل كالآيات المتشابهة وآية النهار كالمحكمة فكما أنّ المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين ﴿فمحونا﴾ أي: بعظمتنا الباهرة ﴿آية الليل﴾ أي: طمسنا نورها بالظلام ليسكنوا فيه فجعلناها لا يبصر فيها المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي. ﴿وجعلنا﴾ مما لنا من القدرة. ﴿آية النهار مبصرة﴾ أي: مبصرًا فيها بالضوء فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن الظلمة إلى النور كما أن الإنسان بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى

2 / 286