سراج منیر
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
ناشر
مطبعة بولاق (الأميرية)
ویراست
الأولى
محل انتشار
القاهرة
وقوله تعالى: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات﴾ فيه إضمار تقديره المكرات السيئات وهم كفار قريش مكروا بالنبيّ ﷺ وأصحابه وبالقرآن في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أربعة أمور الأوّل قوله تعالى: ﴿أن يخسف الله بهم الأرض﴾ كما خسف بقارون وأصحابه فإذا هم في بطنها لا يقدرون على نوع تقلب بمتابعة ولا غيرها. الثاني قوله تعالى: ﴿أو يأتيهم العذاب﴾ على غير تلك الحال ﴿من حيث لا يشعرون﴾ به فيأتيهم بغتة فيهلكهم كما فعل بقوم لوط ﵇. الثالث: قوله تعالى: ﴿أو يأخذهم﴾ أي: الله بعذابه ﴿في﴾ حالة ﴿تقلبهم﴾ ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة وفي تفسير هذا التقلب وجوه أوّلها: أنه تعالى يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر. ﴿فما هم بمعجزين﴾ أي: بفائتين العذاب بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله تعالى حيث كانوا. ثانيها: أنه تعالى يأخذهم بالليل والنهار وفي حال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم. وثالثها: أنّ الله تعالى يأخذهم في حال ما يتقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ (التوبة، ٤٨)
فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها.
الأمر الرابع: قوله تعالى:
﴿أو يأخذهم على تخوّف﴾ وفي تفسير التخوّف قولان؛ الأوّل: التخوّف تفعل من الخوف يقال: خفت الشيء وتخوّفته، والمعنى: أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أوّلًا بل يخيفهم أوّلًا ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك قرية فتخاف التي تليها فيأتيهم العذاب. والثاني: التخوّف بمعنى التنقص، أي: أنه تعالى ينقص شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفه إذا تنقصه. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ فسكتوا. فقال شيخ من هذيل: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير:
تخوّف، أي: تنقص - الرحل، أي: رحل ناقته - منها تامكًا، أي: سنامًا - قردا،
2 / 233