833

سراج منیر

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

ناشر

مطبعة بولاق (الأميرية)

ویراست

الأولى

محل انتشار

القاهرة

•
مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. ولما بالغ ﷾ في شرح حال الأشقياء من الوجوه الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وذلك أنّ الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى:
﴿وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وكونها دائمة أشير إليها بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ وهو حال مقدرة، والتعظيم حصل لهم من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿بإذن ربهم﴾؛ لأنّ تلك المنافع إنما كانت تفضلًا من الله تعالى وإنعامًا. والثاني: قوله تعالى: ﴿تحيتهم فيها سلام﴾؛ لأنّ بعضهم يحيى بعضًا بهذه الكلمة والملائكة يحيونهم بها كما قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)
والرب يحييهم أيضًا بهذه التحية كما قال تعالى: ﴿سلام قولًا من رب رحيم﴾ (يس، ٥٨)
ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع آفات الدنيا وحسراتها وفنون آلامها وأسقامها وأنواع همومها وغمومها؛ لأنّ السلام مشتق من السلامة. ولما شرح سبحانه تعالى أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثلًا يبين الحال في حكم هذين القسمين بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾، أي: تنظر، والخطاب يحتمل أن يكون للنبيّ ﷺ ويدخل معه غيره، وأن يكون لكل فرد من الناس، أي: ألم تر أيها الإنسان ﴿كيف ضرب الله﴾، أي: المحيط بكل شيء علمًا وقدرة ﴿مثلًا﴾ سيره بحيث يعم نفعه، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل، ثم بينه بقوله تعالى: ﴿كلمة طيبة﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي لا إله إلا الله. ﴿كشجرة طيبة﴾ قال ابن مسعود وأنس: هي النخلة. وعن ابن عباس: هي شجرة في الجنة. وعن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «إنّ الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي وكنت صبيًا فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله ﷺ أن أقولها وأنا صغير القوم» . وروي: فمنعني مكان عمر فاستحييت فقال له عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحب إليّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله ﷺ «ألا إنها النخلة» . قيل: الحكمة في تشبيه الإنسان بالنخلة من بين سائر الأشجار أنّ النخلة أشبه به من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار يتشعب من جوانبها بعد قطع رأسها، وأنها تشبه الإنسان بحيث أنها لا تحمل إلا باللقاح؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم ﵇ ولذلك قال ﷺ «أكرموا عمتكم قيل: ومن عمتنا؟ قال: النخلة» . ﴿أصلها ثابت﴾، أي: في الأرض ﴿وفرعها﴾، أي: غصنها ﴿في السماء﴾، أي: في جهة العلو والصعود ولم يرد المظلة كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه. ﴿تؤتي﴾، أي: تعطي. ﴿أكلها﴾، أي: ثمرها
﴿كل حين بإذن ربها﴾، أي: بإرادته، والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقدار هذا، فقال مجاهد: الحين هنا سنة كاملة؛ لأنّ النخلة تثمر في كل سنة مرّة. وقال قتادة: ستة أشهر يعني من حين طلعها إلى وقت صرامها. وقال الربيع: كل حين يعني كل غدوة وعشية؛ لأنّ ثمر النخل يؤكل
ليلًا ونهارًا وصيفًا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى

2 / 179