سراج منیر
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
ناشر
مطبعة بولاق (الأميرية)
ویراست
الأولى
محل انتشار
القاهرة
ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله عزاه الله تعالى بقوله:
﴿وما أكثر الناس﴾، أي: أهل مكة ﴿ولو حرصت﴾ على إيمانهم ﴿بمؤمنين﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر وكان ذلك إشارة إلى ما ذكر الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء﴾ (القصص، ٥٦) ثم نفى عنه التهمة بقوله تعالى:
﴿وما تسألهم عليه﴾، أي: على تبليغ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك وأغرق في النفي فقال: ﴿من أجر﴾ حتى يكون سؤالك سببًا لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغن به عن سؤالنا، ثم نفى عن هذا الكتاب كل غرض دنيوي بقوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر﴾، أي: عظة من الله تعالى ﴿للعالمين﴾ عامّة، ثم إنّ الله تعالى أخبر عنهم أنهم لما تأمّلوا الآيات الدالة على توحيده تعالى بقوله تعالى:
﴿وكأين﴾، أي: وكم ﴿من آية﴾ دالة على وحدانية الله تعالى ﴿في السموات﴾ كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ﴿والأرض﴾ من الجبال والشجر والدوابّ وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ﴿يمرّون عليها﴾، أي: يشاهدونها ﴿وهم عنها معرضون﴾، أي: لا يتفكرون فيها فلا عجب إذا لم يتأمّلوا في الدلائل على نبوّتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، ثم إنهم يمرّون عليها ولا يلتفتون إليها. ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أنّ الله تعالى فاعل تلك الآيات؟ بين أنّ إشراكهم سقط لذلك بقوله تعالى:
﴿وما يؤمن أكثرهم بالله﴾ حيث يقرّون بأنه الخالق الرازق ﴿إلا وهم مشركون﴾ بعبادته الأصنام قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف، ٨٧) لكنهم كانوا يثبتون شريكًا في العبودية. وعن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك يعنون الأصنام. وعنه أيضًا أنّ أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا شريك له والملائكة بناته فلم يوحدوا بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا شريك له، ولما كان أكثر هؤلاء لا ينقادون إلا بالعذاب قال تعالى:
﴿أفأمنوا﴾ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد ﴿أن تأتيهم﴾ في الدنيا ﴿غاشية﴾، أي: نقمة تغشاهم وتشملهم ﴿من عذاب الله﴾، أي: الذي له الأمر كله كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم ﴿أو تأتيهم الساعة بغتة﴾، أي: فجأة وهم عنها في غاية الغفلة وقوله تعالى: ﴿وهم لا يشعرون﴾، أي: بوقت إتيانها قبله كالتأكيد لقوله ﴿بغتة﴾ . ولما كان ﷺ مبلغًا عن الله تعالى أمره أن يأمرهم باتباعه بقوله تعالى:
﴿قل﴾ يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحًا وإخلاصًا ﴿هذه﴾، أي: الدعوة إلى الله تعالى التي أدعو إليها ﴿سبيلي﴾، أي: طريقتي التي أدعو إليها الناس، وهي توحيد الله تعالى ودين الإسلام وسمي الدين سبيلًا؛ لأنه الطريق المؤدّي إلى ثواب الجنة ﴿أدعو إلى الله﴾، أي: إلى توحيده والإيمان به ﴿على بصيرة﴾، أي: حجة واضحة وقوله ﴿أنا﴾ تأكيد للمستتر في أدعو على بصيرة؛ لأنه حال منه أو مبتدأ خبره على بصيرة وقوله: ﴿ومن اتبعني﴾، أي: ممن آمن بي وصدق بما جاءني عطف عليه؛ لأنّ كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدور وسعه
2 / 141