790

سراج منیر

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

ناشر

مطبعة بولاق (الأميرية)

ویراست

الأولى

محل انتشار

القاهرة

•
مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه، فقال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنّ هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة، وفي رواية أخرى له أنه أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة؛ لأنها أوفق لأوقات الإجابة.
وقال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقال طاوس: أخر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء، وقيل: استغفر لهم في الحال، وقوله: ﴿سوف أستغفر لكم﴾ معناه أني أدوام على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه، وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما فعلوا في حق يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين.
وعن الشعبي قال: أسأل يوسف أن عفا عنكم استغفر لكم ربي ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ كل ذلك تسكينًا لقلوبهم وتصحيحًا لرجائهم، وروي أنّ يوسف ﵇ كان بعث مع البشير إلى يعقوب ﵇ مئتي راحلة وجهازًا كثيرًا ليأتوا بيعقوب وأهله وولده، فتهيأ يعقوب ﵇ للخروج إلى مصر، فخرج بهم فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف ﵇ والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وركب أهل مصر معهما بأجمعهم يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فقال له جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف ﵉ عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى فقال يوسف: يا أبت بكيت عليّ حتى ابيضت عيناك ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بنيّ ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك فذلك قوله تعالى:
﴿فلما دخلوا على يوسف آوى﴾، أي: ضمّ ﴿إليه أبويه﴾ قال الحسن: أباه وأمّه وكانت حية إكرامًا لهما بما يتميزان، به وغلب الأب في التثنية لذكورته، وعن ابن عباس أنها خالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين. قال البغويّ: وفي بعض التفاسير أنّ الله تعالى أحيا أمّه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر.
فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل مصر؟ أجيب: بأنه حين استقبلهم نزل بهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه ﴿وقال﴾ مكرمًا ﴿ادخلوا مصر﴾، أي: البلد المعروف وأتى بالشرط للأمن لا للدخول فقال: ﴿إن شاء الله آمنين﴾ من جميع ما ينوب حتى مما فرطتم في حقي وفي حق أخي، روي أنّ يعقوب ﵇ وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ﵇ والمقاتلون منهم ألف وبضعة وسبعون رجلًا سوى الصبيان والشيوخ.
﴿و﴾ لما استقرّت بهم الدار بدخول مصر ﴿رفع أبويه﴾، أي: أجلسهما معه ﴿على العرش﴾، أي: السرير الرفيع والرفع هو النقل إلى العلوّ ﴿وخرّوا له﴾، أي: انحنوا له أبواه وإخوته ﴿سجدًا﴾، أي: سجود انحناء، والتواضع قد يسمى سجودًا كقول الشاعر:
*ترى ألا كم فيها سجدًا للحوافر
لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان، أو أنهم وضعوا الجباه وكان ذلك على طريقة التحية والتعظيم لا على طريقة

2 / 136