سراج منیر
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
ناشر
مطبعة بولاق (الأميرية)
ویراست
الأولى
محل انتشار
القاهرة
السكن ووحشيًا فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا جميعًا سريعًا حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج لكم بنار من أهلي فدخل إلى أهله وأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فهدموه وأحرقوه وتفرّق عنه أهله وأمر رسول الله ﷺ أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدًا فريدًا غريبًا وقيل: كل مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه وقوله تعالى: ﴿لمسجد﴾ اللام فيه للابتداء وقيل: لام القسم تقديره والله لمسجد ﴿أسس﴾ أي: وضع أساسه وقواعده ﴿على التقوى﴾ أي: تقوى الله تعالى ﴿من أوّل يوم﴾ أي: من أوّل أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي: فأحاطت به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوّله أحاطت بآخره ﴿أحق﴾ أي: أولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿تقوم﴾ أي: تصلي ﴿فيه﴾، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على التقوى فقيل: هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة»، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة» أي: ثوابت، وقيل: هو مسجد قباء قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه رسول الله ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ أي: من المعاصي والخصال المذمومة طلبًا لمرضاة الله تعالى عليهم ﴿وا يحب المطهرين﴾ أي: يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من جنابه إدناء المحب حبيبه.
روي أنها لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: «أمؤمنون أنتم؟» فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟» فقالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم، قال ﵊: «مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إنّ الله ﷿ قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا رسول الله ﷺ ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ .
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إنّ الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا كان لنا جيران من اليهود فكانوا
1 / 650