سراج منیر
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
ناشر
مطبعة بولاق (الأميرية)
ویراست
الأولى
محل انتشار
القاهرة
لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا ﴿لا تحزن﴾ والحزن همّ غليظ بتوجع يرق له القلب وإنما كان خوفه على رسول الله ﷺ فإنهما لما وصلا الغار نزل أبو بكر الغار أولًا يلتمس ما في الغار فقال له النبيّ ﷺ «ما لك» فقال: بأبي أنت وأمّي الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك وكان في الغار جُحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي رسول الله ﷺ فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفًا على رسول الله ﷺ فقال له ﷺ «لا تحزن» ﴿إن الله معنا﴾ فقال له أبو بكر: وإنّ الله لمعنا فقال الرسول ﷺ «نعم» فجعل يمسح الدموع عن خدّه.
وروي لما طلع المشركون فوق الغار وأشفق أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال ﵊: «ما طنك باثنين الله ثالثهما» .
وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين باضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه فقال ﷺ «اللهمّ أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يرون أحدًا ويقولون لو دخلا هذا الغار تكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت.
تنبيه: دلت هذه الآية على تفضيل أبي بكر ﵁ من وجوه منها أنّ الهجرة كانت بإذن الله تعالى وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة من المخلصين وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله ﷺ أقرب من أبي بكر ﵁ فلولا أنّ الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة وتخصيص الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين ومنها قوله ﷺ «لا تحزن إنّ الله معنا» ولا شك أنّ المراد من هذه المعية المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة وقد شرك ﷺ بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفًا ومنها أن قوله: «لا تحزن» نهى عن الحزن مطلقًا والنهي يوجب الدوام والتكرار وذلك يقتضي أنه لا يحزن أبو بكر ﵁ بعد ذلك البتة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ومنها إطباق الكل على أنّ أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله ﷺ وعلى أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض» قال الحسن بن الفضل: من قال إنّ أبا بكر ﵁ لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكار نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعًا لا كافرًا واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ أي: طمأنينته ﴿عليه﴾ هل هو للنبيّ ﷺ أو لأبي بكر ﵁؟ رجح الثاني لوجوه: الأوّل: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات وأقرب المذكورات المتقدّمة في هذه الآية هو أبو بكر لأنه تعالى قال: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ والتقدير إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن وعلى هذا التقدير فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر فوجب عود الضمير إليه. والثاني: أنّ الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا للرسول ﷺ فإنه كان آمنًا
1 / 614