1063

سراج منیر

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

ناشر

مطبعة بولاق (الأميرية)

ویراست

الأولى

محل انتشار

القاهرة

•
مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
واجتهادهم في الحياة الدنيا ﴿وهم يحسبون﴾ أي: يظنون، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بالكسر ﴿أنهم يحسنون صنعًا﴾ أي: عملًا يجازون عليه لاعتقادهم أنهم على الحق. ثم بيّن تعالى السبب في بطلان سعيهم بقوله تعالى:
﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿الذين كفروا بآيات ربهم﴾ أي: بدلائل توحيده من القرآن وغيره ﴿ولقائه﴾ أي: رؤيته لأنه يقال: لقيت فلانًا أي: رأيته فإن قيل: اللقاء عبارة عن الوصول قال تعالى: فالتقى الماء على أمر قد قدر وذلك في حق الله تعالى محال فوجب حملة على لقاء ثواب الله تعالى كما قال بعض المفسرين أجيب: بأنّ لفظ اللقاء، وإن كان عبارة عن الوصول إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور والذي يقول: إن المراد لقاء ثواب الله قال: لا يتم إلا بالإضمار وحمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار، ثم قال تعالى: ﴿فحبطت﴾ أي: فبسبب جحدهم الدلائل بطلت ﴿أعمالهم﴾ فصارت هباءً منثورًا فلا يثابون عليها، وفي قوله تعالى: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾ قولان؛ أحدهما: أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار، تقول العرب: ما لفلان عندي وزن أي: قدر لخسته، وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة»، وقال: اقرؤوا إن شئتم ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾»، الثاني: لا نقيم لهم ميزانًا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات، وقال أبو سعيد الخدري: تأتي ناس بأعمالهم يوم القيامة عندهم في التعظيم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئًا فذلك قوله تعالى: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾ .
ولما كان هذا السياق في الدلالة على أنّ لهم جهنم أوضح من الشمس قال تعالى:
﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي بيّناه من وعيدهم ﴿جزاؤهم﴾ ثم بيّن ذلك الجزاء بقوله تعالى: ﴿جهنم﴾ وصرّح بالسببية بقوله تعالى: ﴿بما كفروا﴾ أي: بما أوقعوا التغطية للدلائل ﴿واتخذوا آياتي﴾ الدالة على واحدانيتنا ﴿ورسلي﴾ المؤيدين بالمعجزات الظاهرات ﴿هزوا﴾ أي: مهزوءًا بهما فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزو الذي هو أعظم احتقارًا. ولما بيّن ﷾ ما لا حد قسمي أهل الجمع تنفيرًا عنهم بيّن ما للآخرين على تقدير الجواب لسؤال يقتضيه الحال ترغيبًا في اتباعهم والاقتداء بهم بقوله:
﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: باشروا الإيمان ﴿وعملوا﴾ تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من الخصال ﴿كانت لهم﴾ أي: في علم الله قبل أن يخلقوا البناء أعمالهم على الأساس ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿الفردوس﴾ أي: أعلى الجنة وأوسطها والإضافة إليه للبيان، روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها، وقال كعب: الفردوس هو بستان الجنة الذي فيه الأعناب، وقال مجاهد: هو البستان بالرومية، وقال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية،

2 / 410