449

احکام قرآن

أحكام القرآن لابن العربي

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الثالثة

سال انتشار

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

محل انتشار

بيروت - لبنان

مناطق
مراکش
امپراتوری‌ها و عصرها
مرابطون
وَهَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَنَصٌّ فِي التَّكَلُّمِ بِالرَّأْيِ الْمُسْتَفَادِ عِنْدَ النَّظَرِ الصَّائِبِ. وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِ النَّظَرُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَالَةِ مِنْ " كَلَّ " أَيْ بَعُدَ، وَمِنْ " تَكَلَّلَ " أَيْ أَحَاطَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى السَّلْبِ، كَمَا يُقَالُ فَازَ فِي الْمَفَازَةِ أَيْ انْتَفَى لَهُ الْفَوْزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِحَاطَةَ وُجِدَتْ مَعَ فَقْدِ السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ وَهُوَ قُرْبُ النَّسَبِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْكَلَالَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقْدُ الِابْنِ وَالْأَبِ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يُحْجَبُونَ بِالْجَدِّ، وَهُمْ الْمُرَادُونَ فِي الْآيَةِ بِالْإِخْوَةِ إجْمَاعًا، وَدَخَلَ فِيهَا الْجَدُّ الْخَارِجُ عَنْ الْكَلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّسَبِ كَالْأَبِ الْمُتَوَلَّدِ عَنْهُ الِابْنُ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا: إنَّ الْجَدَّ أَيْضًا خَارِجٌ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ مَعَ الْجَدِّ لَا تَأْخُذُ نِصْفًا؛ إنَّمَا هِيَ مُقَاسِمَةٌ، وَكَذَلِكَ الْأَخُ مُقَاسِمٌ لَهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَخْرَجْتُمْ الْجَدَّ عَنْهَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْهَا؛ إذْ حَقِيقَةُ الْكَلَالَةِ ذَهَابُ الطَّرَفَيْنِ، وَعَلَيْهِ مَبْنَى اللُّغَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ بَعِيدٌ ضَعِيفٌ. وَأَفْسَدُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْمَالُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لُغَةً وَلَا مَقِيسٍ مَعْنًى.
الثَّانِي: أَنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى فِي السُّدُسِ، وَالْإِخْوَةُ لَا يَرِثُونَ مَعَهُمْ، فَكَيْفَ يُشَارِكُ مَنْ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ وَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ. وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالَ حَبْرُ الْأُمَّةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إنَّ امْرَأَةً لَوْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأَبِيهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَجَدَّهَا: إنَّ النِّصْفَ لِلزَّوْجِ، وَالسُّدُسَ لِلْأُمِّ فَرِيضَةً، وَلِلْجَدِّ مَا بَقِيَ؛ قَالَ: لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أَكُنْ كَانَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ مَا بَقِيَ، وَلَا يَأْخُذُ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ شَيْئًا، فَلَمَّا حَجَبَتْ إخْوَةُ الْأُمِّ عَنْهُ كُنْت أَنَا أَحَقَّ بِهِ.

1 / 451